الوثيقة
ابريك المنقوش الزوي يكتب: مسيرة وطنية نحو التوافق.. إضاءات على مسيرة رئيس المجلس الأعلى للدولةمنظمة إنسانيون العالمية تمنح الدكتورة فاتن فتحي كأس «رواد الفكر والثقافة والأدب والسلام»أفراح آل عياد بمطروح.. حضور مجتمعي وعائلي كبير يعكس المركز المرموق للعائلةالمستشار محمد مجدي صالح يدين الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية: استهداف المطارات والمدنيين تهديد مباشر لأمن المنطقة وانتهاك للقانون الدوليموسى مصطفى موسى: حزب الغد يواصل تطوير هياكله التنظيمية وتجديد دمائه.. والمواطنة والتعليم ركيزتان لبناء المجتمع وتعزيز تماسك الدولة المصرية/ صوراستثمار سعودي جديد في مصر.. ”رواسي المشاعر” تتوسع بقطاع الثروة الحيوانية والداجنةشيخ الطريقة الجازولية يشيد بأهمية الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي : تعزز مكانة مصر في العالمالمدير التنفيذي لـ IMKANORA: الفخامة الهادئة تعيد صياغة العمارة الحديثة برؤية تجمع الأصالة العربية والاستدامةموسى مصطفى موسى: جولة الرئيس السيسي الآسيوية تفتح آفاقًا اقتصادية جديدة وتعكس مكانة مصر الدوليةالنائبة إليزابيث شاكر: جولة الرئيس السيسي الآسيوية تفتح آفاقا جديدة لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات وتعزيز الاقتصاد المصريمحمد السلاب: انطلاق الجلسات التحضيرية لـ«منتدى مصر 2026» يؤكد حرص الدولة على إشراك المتخصصين في صياغة المستقبلأمين سر اقتصادية النواب: زيارة السيسي إلى كوريا تدعم الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتعزيز الصادرات
الرأي الحر

دكتورة فاتن فتحي تكتب: ثقافة «نمشيها».. سرّ البقاء المصري المؤمن عبر التاريخ

دكتورة فاتن فتحي
دكتورة فاتن فتحي

ليست عبارة «نمشيها» مجرد تعبير شعبي عابر في القاموس اليومي للمصريين، بل هي مفتاح لفهم بنية نفسية وثقافية متجذّرة شكّلت أحد أعمدة الشخصية المصرية عبر التاريخ. هذه العبارة تختصر فلسفة حياة كاملة قوامها الإيمان الوطني بالدولة المصرية والتحايل الإيجابي على الواقع، والصبر الطويل، والقدرة الفريدة على التكيّف مع الضغوط دون الانكسار، وهي خصائص لم تعمل بمعزل عن الدولة، بل تفاعلت معها في لحظات الشدة بوصفها إطار الحماية الأخير ومعنى الاستمرارية.
الشخصية المصرية، منذ تشكّلها على ضفاف النيل، ارتبطت بفكرة الدولة المركزية كضامن للنظام والاستقرار في مواجهة الفوضى الطبيعية والاجتماعية. في مجتمع زراعي قائم على فيضان قد يغرق أو يجف، لم يكن الصدام المباشر مع الواقع خيارًا ممكنًا دائمًا، فبرزت المرونة كاستراتيجية بقاء، والصبر كقيمة جمعية، والتحايل الذكي كوسيلة لتجاوز العجز المؤقت. من هنا نشأت «نمشيها» لا بوصفها هروبًا من المسؤولية، بل كتكتيك مرحلي يحفظ التوازن إلى أن تمر العاصفة.
عبر العصور، واجه المصريون احتلالات متعاقبة، وأوبئة، ومجاعات، وانهيارات اقتصادية، وتحولات سياسية عنيفة، ومع ذلك ظل المجتمع متماسكًا دوماً، ولم تنقطع الدولة المصرية ككيان تاريخي إلا نادرًا. في لحظات الضعف، لم يكن الرهان الشعبي على إسقاط الدولة، بل على احتمالية إصلاحها أو الاحتماء بها حتى وهي منهكة. هذا الإيمان الغريزي بالدولة، حتى مع النقد والسخرية والشكوى، يعكس وعيًا جمعيًا يرى في انهيار الدولة خطرًا وجوديًا أكبر من أي أزمة عابرة.
ثقافة «نمشيها» لعبت دور الوسيط بين الفرد والدولة في أوقات الأزمات. حين تعجز الدولة مؤقتًا عن تلبية كل الاحتياجات، لا ينفجر المجتمع دفعة واحدة، بل يعيد ترتيب أولوياته، ويخفض سقف توقعاته، ويبتكر حلولًا مؤقتة داخل الهامش المتاح. هذا السلوك لا يلغي المطالبة بالحقوق، لكنه يؤجل الصدام الكامل حفاظًا على الكيان العام. لذلك لم تكن الصبرية المصرية استسلامًا، بل إدارة زمن للأزمة، وانتظارًا محسوبًا للحظة الانفراج.
في لحظات الخطر الوجودي، يظهر الوجه الآخر لهذه الثقافة، حيث تتحول المرونة إلى صلابة، والصبر إلى تماسك، والتحايل إلى إبداع جماعي في الدعم والمساندة. خلال الحروب، أو الكوارث الكبرى، أو التهديدات الخارجية، يصطف المصريون عادة خلف دولتهم، ليس بدافع الدعاية وحدها، بل انطلاقًا من إدراك تاريخي بأن تفكك الدولة يعني انهيار المجتمع نفسه. هذا الاصطفاف لا ينفي التناقضات الداخلية، لكنه يجمّدها مؤقتًا أمام الخطر الأكبر.
التحايل الإيجابي، كجزء من هذه المنظومة النفسية، لا يعني الفساد أو التلاعب بالمعنى الأخلاقي، بل القدرة على الالتفاف على القسوة دون كسر القواعد الكبرى للنظام. هو فن التعايش مع النقص، واستثمار المتاح، وتحويل الضغوط إلى حيل حياتية تحفظ الكرامة وتضمن الاستمرار. لهذا ظل المصري قادرًا على الضحك في قلب الشدة، والسخرية من أوجاعه، دون أن يفقد انتماءه أو ثقته العميقة في بقاء الدولة.
ولابد من التأكيد هنا على نقطة غاية في الأهمية وهو انه خلال السنوات العشر الأخيرة، شهدت مصر موجة غير مسبوقة من مشروعات التنمية الشاملة التي أعادت تشكيل صورة الدولة ووظائفها في وعي المواطنين، حيث امتدت الإنجازات إلى قطاعات البنية التحتية والطرق والنقل والطاقة والإسكان والصحة والتعليم، وصولًا إلى المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمشروعات القومية الكبرى.
هذه الطفرة لم تكن مجرد أرقام أو خرائط إسمنتية، بل شواهد يومية ملموسة على قدرة الدولة على الفعل والإنجاز بعد عقود من التعثر، وهو ما خلق لدى السواد الأعظم من المصريين شعورًا متجددًا بالأمل والانتماء، وجعل التنمية نفسها مصدر إلهام، ودافعًا للصبر على كلفة التحول الاقتصادي والإصلاحات القاسية. في هذا السياق، أصبحت مشروعات الجمهورية الجديدة تجسيدًا عمليًا لحلم استعادة الدولة القادرة، ومرتكزًا نفسيًا واجتماعيًا لتحمّل التحولات السياسية والاقتصادية، مع إدراك متزايد بأن ما يتجلى اليوم على الأرض ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن المستقبل الذي يُبنى حجرًا فوق حجر بات أكثر وضوحًا وقربًا يومًا بعد يوم.
في المحصلة، فإن ثقافة «نمشيها» ليست علامة ضعف كما يُساء فهمها أحيانًا، بل تعبير عن ذكاء اجتماعي تراكمي صاغته قرون من التحديات. هي آلية دفاع جماعية حافظت على الدولة والمجتمع معًا، ومنحت المصريين قدرة نادرة على عبور الأزمات دون تمزيق الذات الوطنية. وبين الصبر والمرونة والإيمان العميق بفكرة الدولة، تشكّل سرّ البقاء المصري، الذي قد يئن طويلًا، لكنه نادرًا ما ينهار.

⇧

الرأي الحر

الفيديو