محمد يسري يكتب: أزمة المنهج.. كيف نعالج الصراع المأزوم بين السلفية والأشاعرة المعاصريَن؟
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر أزمة منهجية ومعرفية عميقة، تتجاوز الخلافات الفقهية التقليدية لتلامس أصول الاستدلال وبنية المؤسسات الفكرية. ينطلق هذا الحوار من تشخيص نقدي شامل يرى أن الأزمة تكمن في افتقار المدارس الفكرية المعاصرة للأدوات الأصولية الرصينة، مما أدى إلى حالة من الانسداد الفكري والصراع المذهبي الحاد.
ويشخص هذا الحوار ثلاثة أبعاد لهذه الكارثة: أولها الأزمة المنهجية المتمثلة في شعار "الكتاب والسنة بفهم السلف" الذي يفتقر للضبط الأصولي والتاريخي، وثانيها الصراع المأزوم بين السلفية والأشعرية الذي تحول إلى إقصاء متبادل، وثالثها التوظيف السياسي والأدلجة التي استغلت فيها جماعات حركية (كالإخوان) الثوب السلفي لتمرير أجندات صدامية، مدعومة بفوضى الفضاء الرقمي والتعليم المفتوح المؤدلج.
وهذا ما يؤكد أن "الترميم" لم يعد كافياً، وأن المخرج الحقيقي يكمن في "ثورة في المناهج" تهدف إلى العودة لسيادة "الأدوات الأصولية" بدلاً من "النتائج الجاهزة"، وتحطيم صنمية الانتماء المذهبي والحركي، مع نزع القداسة عن الاجتهادات البشرية وإعادتها للنص المعصوم، ودمج مقاصد الشريعة بالواقع لكسر حالة الجمود. ويبقى الأمل معقوداً على "العصامية العلمية الواعية" التي تتحرر من ضغوط المؤسسات الجامدة والجماعات المؤدلجة. ولتقريب الصورة اخترت أن يكون القالب في صورة حوار بين المدرستين، سؤال وجواب، يتبنى فيه السائل مرة رؤية طرف، ومرة رؤية الطرف الآخر، بدلا من الكتابة السردية المباشرة فإلى الحوار.
ما هي الإشكالية المنهجية والأصولية التي ترونها في شعار "الكتاب والسنة بفهم السلف" الذي تتبناه السلفية المعاصرة؟
الإشكالية جوهرية وتاريخية. أولاً، "الفهم" في علم الأصول ليس دليلاً مستقلاً، بل هو عملية ذهنية متغيرة. الادعاء بوجود "فهم واحد موحد ومستقر" للسلف هو ادعاء يفتقر للضبط المنهجي والتاريخي؛ لأن السلف (الصحابة والتابعون) اختلفوا في آلاف المسائل الفقهية والجزئيات العقدية. فإذا ألزمنا الناس بـ "فهم السلف"، فالسؤال الأصولي هو: أي سلف؟ هل هو فهم ابن عباس أم ابن عمر؟ هل هي مدرسة أهل الرأي أم أهل الحديث؟ هذا التنوع يثبت أن الادعاء بـ "الفهم الموحد" هو "هلامية معرفية" أكثر منه منهجاً منضبطاً.
أشرتم إلى أن رفض السلفية المعاصرة للمذهبية أدى إلى "انقطاع معرفي". كيف تفسرون ذلك؟
المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة) هي في الحقيقة "مختبرات لفهم السلف"؛ هي التي قامت بتقعيد أقوال الصحابة وتحويلها إلى أصول وقواعد للاستنباط. عندما يرفض الخطاب السلفي المعاصر المذهبية بدعوى "الاتباع المباشر للنص"، فإنه عملياً يقفز فوق هذا البناء الأصولي المستقر. النتيجة هي أن "فهم المعاصر" للنص يُصبح هو "فهم السلف" بالضرورة، وهذا هو الانقطاع المعرفي الذي نراه، حيث يتم تجاوز البناء الأصولي الذي يسمح بالتعددية السائغة داخل دائرة أهل السنة.
كيف أثر غياب الأدوات الأصولية على السلوك العام للسلفية المعاصرة؟
هناك رابط مباشر بين غياب الأصول الفقهية وظهور حدة "التبديع والتفسيق" والإقصاء. عندما تقتنع مدرسة بأنها "الوحيدة" التي تفهم الدين كما فهمه الرعيل الأول، فإنها تلقائياً تُخرج الآخرين من دائرة الصواب. هذا يؤدي إلى ما وصفناه بـ "احتكار الكتاب والسنة"، وهو ما ينافي طبيعة الفكر الإسلامي الكلاسيكي الذي كان يرفع شعار: "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".
والحقيقة إن أكبر مشكلة واجهت السلفية المعاصرة هي "الظاهرية الجديدة" التي جعلت النص يبدو مجرداً عن مقاصده وقواعده الكلية. لهذا أرى أن مطالب إعادة قراءة ابن القيم توصية عبقرية، لأن ابن القيم (رغم كونه أيقونة سلفية) هو أحد أعظم الأصوليين في تاريخ الإسلام. كتابه "إعلام الموقعين" ليس مجرد كتاب فقه، بل هو موسوعة في "فلسفة القانون الإسلامي" والتعامل مع المقاصد والمصالح.
وعندما يدرس السلفي "أصول الفقه" بعمق، سيتوقف عن "التبديع المتسرع"، لأنه سيفهم أن الخلاف في الفروع (وحتى في بعض تفاصيل العقيدة) له مساغات لغوية وأصولية تجعل المخالف "مجتهداً" وليس "ضالاً".
ننتقل إلى الطرف الآخر، كيف تشخصون جدلية الصراع بين السلفية والأشعرية في الواقع المعاصر؟
هذا الصراع يجسد "واقعاً مأزوماً" بامتياز. ففي الوقت الذي يميل فيه متعصبو الأشعرية المعاصرون إلى رفض كتب الآثار والسلف المتقدمة (كالإبانة والشريعة) بالكلية انتصاراً لمذهبهم، مستقوين في ذلك بدعم المؤسسات الرسمية؛ نجد السلفية المعاصرة قد تقوقعت في "خندق" رد الفعل، مما غيّب عنها الأدوات الأصولية العميقة وغلب على خطابها النبرة الإقصائية الحادة. هذا الصراع أدى إلى ضياع "الوسطية العلمية" التي كانت تجمع بين تعظيم الأثر والانضباط الأصولي.
أشرتم إلى أن رفض الأشاعرة لبعض كتب السلف المتقدمة يمثل "قطيعة معرفية". ما المقصود بذلك؟
المقصود هو أن هذا الرفض يمثل قطيعة مع تراث القرون الأولى. فبدلاً من "تأويل" هذه الآثار أو وضعها في سياقها، اختار غلاة الأشاعرة "إعدامها" بالكلية لأنها لا تتماشى مع القواعد المنطقية التي قعدها المتكلمون المتأخرون. هذا الرفض يضعف المذهب الأشعري نفسه، لأن الأئمة الذين يدّعون الانتساب إليهم (كالبيهقي والباقلاني) كانوا يعظمون هذه الآثار ويشرحونها.
كيف أثر التوظيف السياسي والأدلجة على هذا المشهد الفكري؟
هذا هو "المثلث القاتل" الذي دمر المجال الفكري. لقد تحولت "السلفية" من منهج علمي إلى "غطاء حركي"؛ حيث استغلت جماعات حركية (كالإخوان) الثوب السلفي لتمرير أجندات صدامية مع الدول. هذه الجماعات لا تتبنى السلفية كمعتقد، بل تستخدمها كـ "لغة تعبئة" لحشد الشباب وتوجيههم ضد الأنظمة. النتيجة هي مسخ فكري يجمع بين "حدية السلفي" في التبديع و"نفعية الإخواني" في الصراع السياسي.
وماذا عن دور الفضاء الرقمي والتعليم المفتوح في تعميق هذه الأزمة؟
الفضاء الرقمي والتعليم المفتوح يمثلان كارثة أخرى. الفضاء الرقمي جعل "العالم" هو من يملك أعلى نسبة مشاهدة، وليس من يملك أعمق تأصيل علمي، مما أدى لغياب المرجعية العلمية الرصينة لصالح "نجوم المشاهدات" والسطحية المعرفية. أما التعليم المفتوح، فأغلبه حالياً مؤدلج يخضع لرأس مال موجه يخلق "نجوماً" يخدمون أجندات معينة، مما يجعل الطالب يتلقى "جرعات أيديولوجية" مغلفة بالدين بدلاً من العلم المجرد.
أمام هذا الانسداد والجمود الفكري، هل ترون أن "الترميم" المنهجي لا يزال ممكناً؟
لا، "الترميم" لم يعد كافياً. نحن بحاجة إلى "ثورة في المناهج"؛ لأن أسس الفكر تصدعت بفعل الأدلجة والجمود. هذه الثورة ليست ثورة "على" الدين، بل هي ثورة "بالدين" على الأغلال التي كبلته.
ما هي ملامح هذه "الثورة في المناهج" التي تدعون إليها؟
يمكن تلخيص ملامحها في ثلاث نقاط جوهرية:
1.العودة إلى "ما قبل التمذهب الصدامي": الثورة تبدأ بتدريس الوحي من خلال "الأدوات الأصولية" لا من خلال "النتائج الجاهزة". يجب أن نعلّم الطالب "كيف يفكر" لا "بماذا يفكر".
2.تحطيم "صنمية الانتماء": نزع صفة "الحق المطلق" عن أي اجتهاد بشري بعد الوحي. يجب أن يتربى الطالب على أن احترام الأئمة لا يعني تقديس أقوالهم، وأن نقد المدارس الفكرية ليس كفراً بالدين.
3.دمج "مقاصد الشريعة" بالعقيدة والعمل: إعادة ربط "التوحيد" بعمارة الأرض، و"الأصول" بحل مشكلات العصر المعقدة، بدلاً من حصرها في نقاشات فنية تاريخية.
في ظل رفض المؤسسات الكبرى لهذا التغيير، أين يكمن الأمل في إحداث هذه الثورة؟
إذا كانت المؤسسات والمدارس الكبرى رافضة، فإن الأمل يظل في "الحراك العلمي الفردي" و"العصامية العلمية الواعية". نحن بحاجة إلى جيل من القراء والباحثين الأحرار الذين يملكون حصانة نقدية؛ يقرأون التراث بشمولية وإنصاف، بعيداً عن ضغط الانتماءات المذهبية أو الحركية. الحل يبدأ من "الفرد" حين يقرر أن يكون "حراً"، فلا يسلم عقله لممول ولا لسلطة ولا لشيخ حركي. الوعي بحجم هذه الكارثة هو أول خطوات الحل.
























