فيديو| محمد يسري يفكك شفرات الصراع: غزة بين الاختطاف العقائدي ومعضلات الإعمار
اختطاف "اسم إسرائيل": كيف وظفت الصـهيونية رمزية النبي يعقوب عليه السلام لتمرير مشروع استعماري بغطاء ديني؟
التبعية المطلقة والضوء الأخضر: الدور الأمريكي كلاعب رئيس ومحرك أساسي للعمليات العسكرية الإسـرائيلية في فلسطين.
جيوسياسة التمويل: الربط بين السيطرة على نفط فنزويلا وتمويل المشروعات الاستيطانية والحروب في المنطقة.
تحدي "اليوم التالي": لماذا يهرب المستثمرون من إعمار غزة في ظل غياب الضمانات الأمنية وسلطة القانون؟
سقوط الشرعية الدولية: القرارات الأممية بين "حبر الورق" وعجز المؤسسات الدولية عن حماية السكان الأصليين ومقدساتهم.
في حلقة خاصة من برنامج "مساحة للرأي" على شاشة قناة النيل للأخبار، بثت مساء السبت 10 يناير الجاري، استضاف الإعلامي أحمد يوسف الإدريسي، الباحث في التراث الإسلامي والجماعات المتطرفة، محمد يسري رئيس تحرير "الوثيقة" ، لمناقشة التساؤلات الصعبة حول مستقبل غزة، والأبعاد العقائدية والسياسية للصراع، وصولاً إلى معوقات إعادة الإعمار في ظل الواقع الدولي الراهن... فإلى الحوار

الرمزية الدينية والغطاء الأمريكي
في استحضار للتاريخ والرمزية الدينية، كان سيدنا يعقوب عليه السلام يعمل في الرعي مع أبنائه، وهو الذي حمل اسم "إسرائيل". لكن في القرن العشرين، حدث اختفاء أو "اختطاف" لهذا الاسم بوزنه المهم جداً، ليتحول المشهد في فلسطين المحتلة إلى ما يشبه "قطيع يعقوب" ولكن دون الجمال والروحانية التي اتسم بها النبي الكريم. اليوم، ونحن ننظر إلى الأزمة الفلسطينية، نرى هذا الاختطاف الذي يمارسه ما يمكن وصفه بـ "الكاوبوي الأمريكي-الإسرائيلي".
سؤالي الأول لك: ما العلاقة اليوم بين كلمة "إسـرائيل" والواقع؟ وهل ما تقوم به إسـرائيل الآن من محاولة "رعي" أو "رعاية" في غزة يمت بصلة لسيدنا يعقوب؟ ألا يبدو الأمر نقيضاً تماماً للرعاية الحقيقية والصلة الجميلة والملائكية المرتبطة تاريخياً بهذا الاسم؟
نعم، بداية أعبر عن سعادتي بهذه المقدمة الطيبة وهذا الربط السردي العميق بين قصة سيدنا يعقوب عليه السلام وما يجري اليوم في الأرض المقدسة، سواء سميناها إسـرائيل أو فلسطين. الحقيقة أن عملية الاختطاف لهذا الاسم ليست مجرد استعارة، بل هي واقع في ظل المنظومة الدولية الحالية؛ هم لم يختطفوا الاسم فقط، بل يختطفون كل شيء لصالحهم. إن استخدام اسم سيدنا يعقوب (إسـرائيل) جاء لإضفاء صبغة دينية وشرعية على مشروعهم الذي هو في الأساس مشروع "استعماري أمريكي"، وتأتي إسرائيل فيه كتبعية. لابد أن نزن الأمور بميزانها الصحيح؛ ما يحدث في فلسطين هو فعل أمريكي من الدرجة الأولى. إسرائيل لا تملك القدرة على تنفيذ أي شيء على الأرض إلا بمباركة الولايات المتحدة، وبدون "ضوء أخضر" أمريكي لن تستطيع إسرائيل أن تفعل شيئاً.
استكمالاً للرمزية القرآنية، "وجاءوا على قميصه بدم كذب". يوسف الفلسطيني الموجود في غزة اليوم هو رمز للطفل والرجل الفلسطيني، ولهذه الأرض المقدسة. هذا الاختطاف دفع البعض، حتى في الدراسات، للقول بأن الإسرائيليين الموجودين حالياً ليسوا يهوداً بالأساس بل هم "صـهاينة"، وهو شيء آخر تماماً. ما علاقة هذا بفرص إتمام السلام وطبيعة الصراع اليوم؟
بالفعل، الدم المسفوك في فلسطين حالياً هو "دم كذب"؛ كذب على العالم أجمع. ليس الأطفال فقط، بل جميع المدنيين في فلسطين مختطفون لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي الذي أُنشئ في القرن الماضي. ما يحدث حالياً من مجازر هو ترجمة لتوجه عقائدي لديهم يهدف إلى "تطهير" هذه الأرض المقدسة -في مخيلتهم- من "الدنس" الموجود فيها (ويقصدون السكان الأصليين). بالنسبة لنا فلسطين كلها مقدسة وغزة مقدسة، لكن في الرؤية والسردية الصهيونية الحالية، هذه الأرض وتحديداً غزة تعتبر غير مقدسة بوجود أهلها، ويرغبون في تطهيرها لاستبدال السكان بما يريدون، أي جلب المزيد من الصـهيونية إليها. وكما تتابع حضرتك، نرى المشاريع الاستيطانية تتوسع حتى في ظل الحديث الدولي عن حل الأزمة ووقف إطلاق النار؛ نجد استفزازات إسرائيلية ومخططات لبناء مستوطنات جديدة على حدود غزة وفي الضفة. هؤلاء لا يريدون "نهاية سعيدة" أو حلاً عاجلاً للمشكلة، بل يخططون لما هو أبعد.

الإسرائيليون وأكذوبة السلام
من خلال فهمك للجيوسياسة والواقع الحالي، وأيضاً الأبعاد التوراتية للموضوع، هل سيتجه الإسـرائيليون فعلاً إلى "الشالوم" أو السلام؟ أم أن المحاولات الأمريكية الإسرائيلية ستطيل أمد "الرماد" والدمار في غزة؟
الحقيقة أنهم يستخدمون كلمة "السلام" كشعار نظري فقط لإيهام العالم بأنهم دعاة سلام، ولتعزيز سردية "المظلومية" لديهم التي يرفعونها عالياً جداً. هم يحاولون تصوير ما يجري في غزة على أنه اعتداء على السلام واعتداء عليهم، والدليل هو استثمارهم الأقصى لما حدث في السابع من أكتوبر، حيث تلاعبوا بوسائل الإعلام العالمية ليظهروا في صورة الضحية. أما الحديث عن مستقبل السلام والإعمار، فنحن أمام مشهد مأزوم للغاية، والأمور تتسم بضبابية شديدة. لا أحد يعلم ماذا سيحدث غداً، وكل هذه الأمور مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسؤال "اليوم التالي": متى تقف هذه الحرب الشرسة التي بدأت منذ فترة؟ وكيف ستقف؟ ومن المسؤول عن بلورة المشهد؟ وما هي خريطة الطريق الواقعية لإرساء السلام في غزة؟
العالم اليوم يتجه نحو ما يسمى بـ "الأرض الجديدة" أو جيوسياسة جديدة، وهناك تغيير للخرائط أو "خرطنة" للعالم إن جاز التعبير. سؤالي لك: من هو "الضاغط والمضغوط"؟ ومن "الكابح والمكبوح" في معادلة غزة وإسرائيل؟
لا يمكن فصل قضية غزة وإسـرائيل عن المحيط العالمي. العالم يسير حالياً في اتجاه الانفجار؛ هناك قوى عظمى تتصارع للسيطرة، وكل فصيل يريد الاستحواذ على جزء من العالم ليضع يده عليه ويقول "هذا لي وحدي". الولايات المتحدة هي العامل الرئيس والمتهم الأول فيما يحدث في الشرق الأوسط، وإلى جانبها تلعب جهات دولية أخرى أدواراً دبلوماسية وسياسية في هذا المشهد.

التشابك الجيوسياسي: من كاراكاس إلى غزة
هل سننتقل إلى المرحلة التالية؟ بنيامين نتنيـاهو (فتى إسـرائيل) ذهب إلى أمريكا وقام بمناورة تتعلق بفنزويلا لتجفيف منابع التمويل التي تصل لحزب الله وفلسطين وأيضاً لإيران. هل لهذا التحرك علاقة بمسار السلام بين إسرائيل وغزة؟
لنضع الأمور في نصابها الصحيح، ما يحدث في فنزويلا لا ينفصل أبداً عما يحدث لدينا في الشرق الأوسط. الأساس هو البحث عن تمويل للمشروعات الاستعمارية الصـهيونية والأمريكية. حينما توجهت أمريكا إلى فنزويلا، لم يكن الهدف "تطهير" فنزويلا أو تحريرها من نظام لا ترغبه، بل الهدف الحقيقي هو: "نحن نريد النفط الفنزويلي". وكما تعلم، فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم. أمريكا تبحث عن منابع التمويل: كيف نمول المشروع الإسرائيلي الصـهيوني في غزة والمنطقة؟ هذا التمويل يمتد لتغطية ما يحدث في إيران، سوريا، اليمن، وحتى أفريقيا وأوكرانيا. كل هذه الملفات تتشابك مع بعضها ولابد من ربطها ضمن هذا السيناريو.
الاقتصاد يحكم: "رأس المال جبان
من المعروف طبعاً أن الهجرة الفلسطينية والشامية إلى أمريكا اللاتينية تمتد لقرون، لدرجة أن هناك رؤساء في تلك الدول من أصول لبنانية وشامية (مثل كارلوس وغيره)، وهناك ما يسمى "معامل فلسطين" في الوعي اللاتيني. واليوم نرى اعتزاز شباب العالم بالقضية الفلسطينية، سواء في أوروبا أو أمريكا نفسها أو أمريكا اللاتينية. نحن أمام مسارين: دول تمول الحروب الآن مع أمريكا، ومسار آخر يرى القضية الفلسطينية كقضية إنسانية عالمية. ما هي السيناريوهات القادمة في ظل هذا التناقض؟
للأسف الشديد، يمكنني تلخيص الأمر في عبارة واحدة: "رأس المال والتمويلات تنتصر على القضايا الإنسانية". رأس المال جبان. حينما نتحدث عن إعمار غزة، وتربط لي بين التوجه الإنساني والواقع، فالواقع يقول إن رأس المال هو الحاكم. كيف لدولة أو جهة تمويل أن تضع أموالها في ذلك "الثقب الأسود" الموجود في غزة؟ وهي لا تعلم ماذا سيحدث غداً. كيف أمول مشروعات إعادة الإعمار؟ هذا هو العنوان الرئيسي. ما هو الضامن لأن أستطيع إكمال هذا المشروع؟ لو افترضنا أن شركة أخذت مشروعاً سكنياً في منطقة ما بغزة وضخت أموالها، كيف تضمن استمرار هذه الأموال حتى نهاية المشروع؟
كلام عملي جداً، يشبه من يريد شراء بيت لم يُبنَ بعد..
بالضبط، هذه نقطة جوهرية، لابد أن يكون المكان مؤمناً. وبغض النظر عن الحرب، المكان حالياً غير مؤمن على الأرض؛ لا توجد شرطة، لا توجد أجهزة أمنية تستطيع الحفاظ على الآلات والمعدات. أنا كجهة إعمار سأدخل بجرافات، معدات بناء، أسمنت، ومواد خام.. من يستطيع أن يحافظ على هذه الموارد في المنطقة التي يتم فيها الإعمار؟
محمد يسري مع الإعلامي أحمد يوسف الإدريسي
الجميع مستهدف
هنا أريد الانتقال لنقطة في غاية الأهمية وبصراحة. هناك اعتداءات إسرائيلية غير طبيعية على المؤسسات الإنسانية العالمية في غزة، وأيضاً على الأماكن المقدسة، بما فيها بيت لحم والكنائس. كيف ولماذا يتم الاعتداء على هذه المقدسات المسيحية أيضاً؟
الإشكالية هنا أنهم لا يستهدفون المقدسات الإسلامية وحدها ولا المسيحية وحدها. هم لا يضعون في اعتبارهم سوى خطتهم هم فقط؛ وكل ما هو موجود على الأرض من "غيرهم" يعتبرونه "مدنساً"، حتى وإن كانت هناك علاقات دينية مشتركة (كما يزعمون). لو نظرنا مثلاً إلى دونالد ترامب، هو مسيحي وليس يهودياً، لكنه داعم أساسي للصهيونية الحالية؛ لا مشكلة لديه أن يكون صهيونياً. هم لا يريدون سواهم، والمقدسات جميعها عندهم مستباحة ومدنسة. والدليل الأكبر هو أول مصيبة حدثت بعد السابع من أكتوبر، تقريباً في اليوم الثاني أو الثالث من "طوفان الأقصى"، تمثلت في قصف "المستشفى المعمداني". هذا المستشفى في الأساس مؤسسة مسيحية إنسانية كبيرة. ضربت المسيحيين الموجودين، وضربت المستشفى رغم أن ذلك من المحرمات في القانون الدولي. هم لا يقيمون وزناً لأي مسيحي فلسطيني ولا لديانته.
وحتى القساوسة المسيحيون لديهم مواقف بطولية غير عادية ونعرف أنهم جزء من المقاومة ضد هذا الموضوع. السؤال اليوم: أين وكيف؟ وما المطلوب من المؤسسات الدولية عندما يتم انتزاع السكان الأصليين؟ كيف تصمت الأمم المتحدة -حتى لو كانت أمريكا تتزعمها- على خطف السكان الأصليين؟ سواء في فلسطين، أو أمريكا ذاتها، أو فنزويلا، أو حتى "جرينلاند" التي تقول أوروبا إنها خط أحمر؟
للأسف الشديد، وهناك بعض المراقبين يقولون ذلك صراحة: حالياً لا توجد شرعية دولية. الأمم المتحدة لا وجود حقيقي لها. هذه الرؤية تأخرت عقوداً طويلة لكنها تأكدت الآن. لننظر إلى الأمم المتحدة وجميع قراراتها والأجهزة المنتمية لها؛ مجلس الأمن مثلاً أصدر في عام 2024 قرارات (مثل القرار رقم 7235 وما بعده الخاص بوقف إطلاق النار وخارطة الطريق)، ولكن ماذا حدث؟ جميع القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومعظمها كان يصب نظرياً في صالح القضية الفلسطينية، لم يحدث بموجبها أي شيء على أرض الواقع. ما يكتب على الورق وما يدرس في الاجتماعات يختلف تماماً عن الواقع؛ فالواقع شيء آخر تحكمه القوة لا القانون.


























