حوار إنساني مؤثر على بودكاست ”7 Cast” مع الإعلامي سعيد حمود
فيديو.. نضال لإثبات الوجود: قصة شاب فقد سنده من خريجي قرى (SOS) بالأردن
في حلقة استثنائية مليئة بالمشاعر الإنسانية المعقدة، استضاف الإعلامي سعيد حمود في برنامجه "7 Cast" أحد شباب خريجي قرى الأطفال (SOS) في المملكة الأردنية الهاشمية من فاقدي السند الأسري. الحلقة لم تكن مجرد سرد لقصة يتيم، بل كانت غوصاً عميقاً في تفاصيل معاناة لا يراها المجتمع، تبدأ من فقدان الهوية، وتمر بقسوة نظرة المجتمع، لتنتهي بانتصار إرادة شاب قرر أن يصنع لنفسه قيمة وحياة.
إليكم أبرز ما جاء في هذا الحوار الإنساني المُلهم:
طفولة بريئة وعائلة من نوع آخر
حياك الله أخي الحبيب في "7 Cast". نريد أن نبحر معك في قصتك.. كيف كانت طفولتك وكيف كان شعورك كطفل فاقد للسند الأسري؟
دخلت قرية (SOS) للأطفال وأنا بعمر الثلاث أو الأربع سنوات تقريباً. الحقيقة أن طفولتي هناك كانت ممتازة ولطيفة جداً. الحياة داخل القرية طبيعية للغاية، على عكس ما يتخيله البعض بأنها مجرد مؤسسة. كنا نعيش في أسرة كاملة متكاملة؛ إخوة وأم، نفطر ونتغدى معاً، نذهب للمدرسة، ونمارس نشاطاتنا كأي أطفال طبيعيين. لم أشعر يوماً، ولا بنسبة 1%، أن هؤلاء ليسوا عائلتي. لقد عشت جو الأسرة لدرجة أنني لم أشعر بحاجتي لوجود "أب" في تلك المرحلة.
هل كنت تشعر بأن من تربوا معك هم إخوتك حقاً؟ وهل كنت تغار على أخواتك هناك؟
بكل تأكيد، هم قطع من روحي وأفديهم بدمي. هؤلاء هم إخوتي الذين كبرت معهم، والأخوة ليست بالدم بل بالتربية والعِشرة. أما بالنسبة لأخواتي من بنات القرية، فبالطبع كنت أشعر بالغيرة والنخوة تجاههن؛ هنّ عِرضي وسندي. البنات بشكل عام يحتجن إلى الاهتمام والحنان أكثر، وكنا نحن كشباب نحاول دائماً أن نكون السند لهن.
صدمة الخروج إلى العالم الحقيقي والبحث عن الهوية
متى بدأت تشعر باختلاف حياتك عن الآخرين، وكيف كان خروجك من القرية؟
الصدمة بدأت عندما بلغت 14 عاماً وانتقلت إلى "بيوت الشباب". هناك تبدأ بالاعتماد على نفسك وتفتقد الروتين الدافئ؛ تفتقد الأم التي توقظك للمدرسة وتحضر لك الطعام. هنا بدأت أشعر بالفراغ العاطفي وحاجتي لوجود "أم".
لكن الكابوس الحقيقي بدأ في سن الـ 18، مرحلة الانتقال إلى "صندوق الأمان". اكتشفت أنني بلا هوية (رقم وطني). أبي الحقيقي كان إنساناً غير مسؤول ورفض إثبات نسبي. عشت معاناة لا توصف؛ لم أستطع إكمال دراستي، ولم أستطع العمل بشكل رسمي. حتى في فترة كورونا، لم أتمكن من أخذ اللقاح لأنني لا أملك هوية! كنت أتعرض لمواقف مهينة، كأن توقفني دورية شرطة ولا أملك إثبات شخصية، فأضطر لشرح قصة حياتي وتبرير أنني خريج جمعية، وهو أمر يكسر النفس.
هل بحثت عن عائلتك الحقيقية؟ وماذا كان شعورك عندما رأيتهم؟
نعم بحثت عنهم بدافع الفضول عندما كبرت. رأيت أبي، ورأيت أمي الحقيقية، لكن الصدمة أنني لم أشعر بأي ذرة عاطفة تجاههم. التقيت بهم لثلاث دقائق فقط ولم أستطع إكمال الجلسة. لم أرتح أبداً. كان يدور في ذهني سؤال واحد: "لماذا فعلتم ذلك؟ لماذا لست معكم الآن؟"، لكنني حتى لم أطرح السؤال من شدة غياب المشاعر تجاههم. أنا بصراحة لا أسامحهم أبداً، ولو وُضع قبر أمي التي أنجبتني بجانب أمي التي ربتني في القرية، سأذهب لأمي التي ربتني وأدعو لها.
معركة إثبات النسب والعودة للحياة
كيف تمكنت من حل مشكلة الهوية وإثبات وجودك في المجتمع؟
كانت رحلة شاقة جداً استمرت لسنوات بدعم من الجمعية وصندوق الأمان. اضطررت لاستخراج هوية "مجهول نسب" في البداية لأتمكن من استكمال دراستي. قمنا برفع قضايا، وأجرينا فحوصات (DNA)، واضطررت لتغيير اسمي في كل السجلات المدرسية من الصف الأول وحتى العاشر. أخذ الأمر جهداً نفسياً ووقتاً طويلاً حتى أثبتت نسبي أخيراً وحصلت على هويتي.
بمجرد حصولي على الهوية، شعرت أنني وُلدت من جديد. تخيل أنني فرحت لأنني استطعت شراء خط هاتف باسمي! شعرت أخيراً أن لي قيمة ووجوداً في هذه الحياة، وتمكنت من إكمال دراستي الثانوية والنجاح والحمد لله.
نظرة المجتمع وقسوة الأحكام المسبقة
كيف يرى المجتمع "فاقدي السند الأسري" مقارنة بـ "الأيتام"؟
المجتمع يتعاطف مع اليتيم (الذي توفي والداه) ويفهمه. لكن عندما تقول "فاقد سند أسري" أو خريج جمعية، يظن البعض أنك بلا أهل أو لك ماضٍ سيء. هناك فكرة مغلوطة بأن خريجي دور الرعاية هم أشخاص فاشلون أو أصحاب سوابق، وهذا ظلم كبير. خرج من بيننا مهندسون ومحاسبون وأشخاص ناجحون نفخر بهم.
ماذا عن الزواج وتكوين أسرة؟ هل يتقبلكم المجتمع؟
هذا هو الجرح الأكبر. لدي صديق، شاب ناجح وخلوق ومقتدر مادياً، تقدم لخطبة فتاة وتم رفضه فقط لأنه "مجهول نسب". ما ذنبه؟ لماذا يعاقب على ذنب لم يقترفه؟ رسالتي للعائلات التي ترفض تزويج بناتها لهؤلاء الشباب: أنتم تخسرون رجالاً سيفدون بناتكم بأرواحهم، لأن هذا الشاب عندما يتزوج، ستصبح زوجته وعائلتها هم كل عائلته التي يمتلكها في الدنيا، وسيعوضها بكل الحنان الذي حُرم منه.
رسائل شكر، وعتاب قاسٍ
في الختام، ما هي رسالتك للآباء الذين يتخلون عن أبنائهم؟ وما هي رسالتك لمن دعمك؟
للآباء والأمهات الذين يرمون أبناءهم أقول: كيف تنامون الليل؟ كيف تهربون من عذاب الضمير ومن دعاء أبنائكم؟ هناك طفل في الشارع يحمل اسمك ويكبر بعيداً عنك، فكروا في العواقب وفي الآخرة.
أما رسالة الشكر، فهي للمملكة الأردنية الهاشمية، لجلالة الملك عبد الله وجلالة الملكة على دعمهما الدائم لقرى الأطفال وصندوق الأمان. لولا هذا الدعم لضاعت مواهب وطاقات شباب كُثر. والشكر الأكبر لقرية (SOS)، أنا لا أندم بنسبة 1% أنني تربيت هناك، بل أفتخر بذلك وسأروي قصتي لأبنائي مستقبلاً بكل فخر. هدفي الآن هو إكمال دراستي الجامعية في مجال اللوجستيات، ومساعدة كل شخص يمر بظروف مشابهة لظروفي.


































