عالم أزهري: سورة يوسف مرآة نفسية لكل مكروب ومبتلى
قال الشيخ حجاج الفيل، من علماء الأزهر الشريف، إن قصة نبي الله يوسف عليه السلام تظل مدرسة متكاملة للقيم الإنسانية والروحية، يتلمس فيها كل مكروب ومبتلى خطى الصبر واليقين، موضحًا أن السورة التي وُصفت في القرآن الكريم بأحسن القصص لم تكن مجرد سرد لحدث تاريخي، بل هي مرآة نفسية يجد فيها كل إنسان تفاصيل مشاعره، وآلامه، وصراعاته اليومية مع الحياة.
وحول كواليس هذه النبوة العظيمة، أوضح "الفيل"، خلال لقائه مع الإعلامي أشرف محمود، ببرنامج "الكنز"، المذاع على قناة "الحدث اليوم"، أنه يتبدى لنا مشهد يمتزج فيه ألم الخيانة بعظمة التربية واليقين، ليرسم ملامح قصة بدأت برؤية في المنام، وانتهت بتحقيقها على عرش مصر، مؤكدًا أن القراءة في سيرة يوسف الصديق تبدأ من أصعب اللحظات الإنسانية وأشدها مرارة، وهي الخيانة؛ لا سيما عندما تأتي من أقرب الناس وأكثرهم مدعاة للأمان وهم الإخوة.
وأشار إلى أن قصة يوسف تضع خطاً عريضاً تحت حقيقة إيمانية ثابتة، وهي إن من كان الله معه، وتوكل عليه حق التوكل، لا يمكن أن يغرق في جُبّ الحياة، ولا يمكن أن يضيع في غيابات الفشل، مهما بلغت شدة المؤامرات أو قسوة المقربين، فالخيانة مكانها ومصيرها وعر، بينما عاقبة اليقين هي التمكين، موضحًا أنه لا يمكن الحديث عن يوسف عليه السلام دون التوقف عند ما حباه الله به من جمال الخَلق والخُلق؛ ففي رحلة الإسراء والمعراج، وصفه النبي محمد ﷺ بأنه الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم، وزاد في وصفه قائلاً: "فإذا هو قد أُعطي شطر الجمال"، أي نصف جمال الدنيا بأسرها.
وسلط الضوء على البطل الحقيقي والخفي في نشأة سيدنا يوسف، وهو الأب نبي الله يعقوب عليه السلام، موضحًا أنه تمثلت بطولة يعقوب في قدرته الفائقة على غرس العقيدة الصحيحة واليقين الثابت في نفس طفله الصغير، مما جعل يوسف صامداً أمام عواصف الفتن والابتلاءات اللاحقة.
وعن طبيعة البيت اليعقوبي والتركيبة الأسرية التي نشأ فيها الصديق، أشار إلى ملامح هذا البيت، حيث الأبناء من "لِيَّة" والجاريتين، وأنجب نبي الله يعقوب أغلب أبنائه (إخوة يوسف) من زوجته "لِيَّة" ومن جاريتين له، ولم تنجب زوجته "راحيل" سوى طفلين هما يوسف وبنيامين (الأخ الأصغر).
وشدد على أن هذا التمايز العددي جعل يوسف وبنيامين أصغر الأبناء في الأسرة، وهو ما يفسر نيلهما حظاً وافراً وخاصاً من عطف يعقوب وحبه الشديد؛ مصداقاً للمقولة العربية القديمة حين سُئلت أعرابية: "من أحب أولادك إليك؟"، فقالت: "الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ"، مشيرًا إلى أنه لم يكن هذا الحب مجرد عاطفة أبوية عابرة، بل كان مدفوعاً أيضاً ببشارة إلهية مبكرة ليعقوب، بأن النبوة والخلافة الروحية ستكون في ولده يوسف، مما ضاعف من مكانته في قلب أبيه، وأشعل في المقابل شرارة الغيرة في قلوب إخوته، لتنطلق من هنا أعظم قصص التاريخ البشري عبراً ومقاصد.



































