المستفيد الخفي : كيف حوّل التكفير صراعات الشرق الأوسط إلى طبق من ذهب للقوى الاستعمارية؟..بقلم الدكتور أحمد الشبراوي نائب عام الطريقة الشبراوية الخلوتية
في قراءة تاريخ التطورات السياسية والدينية في الشرق الأوسط خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات جدلاً وعمقاً: كيف يمكن لحركة رفعت شعارات دينية إصلاحية، كالدعوة الوهابية وأطروحات "آل الشيخ" في نجد، أن تنتهي بإشعال حروب داخلية طاحنة أدت إلى تفتيت وحدة الصف الإسلامي؟إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تنفصل عن القاعدة الذهبية في عالم السياسة والمخابرات: "ابحث عن المستفيد" (Cui bono).
فبينما غابت الوثائق الرسمية المباشرة التي تربط هذه الحقبة بالمخططات الغربية، فإن النتائج على الأرض والسرية المطلقة لـ"شغل المختبرات المخابراتية" تقدم تفسيراً متكاملاً لكيفية توظيف التشدد الديني لخدمة مشاريع التوسع الاستعماري، وصولاً إلى إعادة تشكيل خارطة المنطقة.التكفير كأداة استنزاف تكتيكيةإن النتيجة المباشرة لمنهجية التكفير التي تبنتها الحركة في بدايتها وتوسعت فيها تجاه عامة المسلمين في الحجاز ومصر والشام، لم تكن مجرد خلاف فقهي، بل كانت الشرارة التي فجرت جبهة المسلمين الداخلية. من الناحية التكتيكية، لا توجد طريقة لإضعاف عدو أو قوى إقليمية صاعدة أفضل من "استنزافها في حروب جانبية" قبل مواجهتها مباشرة.هذا ما حدث تماماً؛ حيث انشغل جيش مصر الحديث بقيادة محمد علي باشا، ومعه مقدرات الدولة العثمانية، في حرب صحراوية دموية استمرت لسبع سنوات (1811-1818) للقضاء على خطر التكفير والسيطرة على الحرمين. هذا الاستنزاف الهائل للمال والرجال والوقت، أضعف الجبهة الإسلامية بالكامل، وترك القوى الإقليمية الكبرى منهكة ومعزولة عن التحديات الدولية الحقيقية.
غياب الوثائق: البصمة الكلاسيكية لـ "شغل المختبرات"يتشبث الكثير من المؤرخين بالبحث عن "مستند رسمي" أو "معاهدة مكتوبة" لإثبات المؤامرة، لكن العمل المخابراتي المحترف في "مختبرات القوى العظمى" كبريطانيا وحلفائها لا يترك خلفه دليلاً، في العمليات الاستخباراتية السوداء (Black Operations)، يُعد غياب الوثيقة هو "الدليل الأكبر" على إحكام الخطة وسريتها المطلقة.التلقين والتوجيه غير المباشر لا يحتاج إلى توقيع صفقات؛ بل يكفي زرع الأفكار المنغلقة، وتغذية التعصب المذهبي، وتصوير المخالف في الدين أو المذهب على أنه العدو الأول الذي يجب قتاله قبل أي عدو خارجي. هذا الانغلاق الفكري الموجه عزل الجزيرة العربية عن محيطها، وحول بوصلة السلاح من مواجهة الأطماع الأجنبية في البحار والممرات، إلى نحر دماء المسلمين بعضهم لبعض.
المصلحة الكبرى وصناعة التفتيتإن التلازم بين تفتيت الجبهة الداخلية للمسلمين في القرن التاسع عشر، والتمهيد للمشاريع الاستعمارية اللاحقة في القرن العشرين —وعلى رأسها المشروع الصهيوني وتمرير دولة إسرائيل لاحقاً في فلسطين— يوضح أن بذور التجزئة غُرست مبكراً.عندما تُضرب الحواضر الإسلامية الكبرى ببعضها، وعندما يتم عزل منطقة استراتيجية كالحجاز ونجد عن قضايا الأمة المصيرية تحت وطأة صراعات الشرعية والتكفير، يصبح الطريق ممهداً أمام القوى الدولية لفرض شروطها.
لقد فرضت بريطانيا اتفاقيات الحماية وسيطرت على الخليج العربي والبحر الأحمر فور انتهاء هذه الحروب الطاحنة، مستغلةً حالة الإنهاك العام لجميع الأطراف.خاتمةإن الحقيقة التي لا يمكن مداراتها خلف نصوص الكتب أو التبريرات التاريخية هي أن "شغل المخابرات الخفي" نجح في تحويل الأيديولوجيا التكفيرية إلى سلاح دمار شامل للمنطقة من الداخل. وسواء تحركت هذه الخيوط بأوامر مباشرة حُذفت وثائقها بدقة، أو عبر استغلال ذكي لجهل سياسي وتعصب ديني محلي، فإن النتيجة التاريخية تظل ثابتة ومريبة: كل فكر يقود إلى تكفير عموم المسلمين وإقصائهم، ينتهي حتماً بصناعة فراغ استراتيجي لا يملأه إلا أعداء الأمة



































