محمد إسماعيل يكتب: مصر.. عندما تتحدث القوة بلغة العقل
في ظل التوترات التي يشهدها العالم في الآونة الأخيرة، يتضح يومًا بعد يوم بُعد الرؤية المصرية، التي لم تنتظر الأزمات حتى تفرض نفسها، وإنما استعدت لها ببناء قوة تحمي الوطن، وتنويع مصادر السلاح، والاهتمام بالتدريب المشترك مع مختلف القوى الإقليمية والعالمية، لاكتساب الخبرات ورفع جاهزية قواتنا المسلحة.
لكن قوة مصر لم تكن يومًا في السلاح وحده.
فبالتوازي مع قوة تحمي الوطن، جاءت رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي والدبلوماسية المصرية، التي جعلت أساس تحركها حل الصراعات وتقديم الحلول، وعدم الانجرار إلى مواجهة إذا كان بإمكان العقل والدبلوماسية أن يحققا ما لا تحققه الحرب.
وهنا تظهر مصر كما عرفها التاريخ:
دولة لا تبحث عن الصراع، ولكن عندما يشتد الصراع يبحث الجميع عن دورها.
من فلسطين إلى السودان، ومن ليبيا إلى سوريا ولبنان والعراق، ظلت الرؤية المصرية تقوم على الحفاظ على الدولة الوطنية، ووحدة الأراضي، واحترام السيادة، ورفض تحويل الدول العربية إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، مع الدفع دائمًا نحو الحلول السياسية والتفاهمات التي تحفظ الدماء والمصالح.
في فلسطين، وقفت مصر بقوة ضد محاولات التهجير، وتحركت من أجل وقف الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي عادل.
وفي السودان، تتمسك مصر بوحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها، وتدعم الوصول إلى حل سياسي يحفظ السودان وشعبه.
وفي ليبيا، تدعم المسار السياسي والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
وفي سوريا ولبنان والعراق، تظل الرسالة المصرية واضحة: دول عربية قوية ومستقرة وذات سيادة، وليست ميادين لصراعات الآخرين.
أما الخليج، فهنا يجب أن تكون الرسالة أكثر وضوحًا:
أمن الخليج من أمن مصر، وأمن السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعُمان وقطر ليس شأنًا بعيدًا عن القاهرة.
فمصر لا تريد أن تُجر دول الخليج إلى حرب لا تخدم شعوبها، ولا تريد أن تتحول دول الخليج إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
نريد خليجًا آمنًا، مستقرًا، قويًا، قادرًا على حماية مقدراته وشعوبه، وفي الوقت نفسه بعيدًا عن اتساع دائرة النار.
ولهذا فإن التهدئة التي تسعى إليها مصر ليست تهدئة مؤقتة، وإنما تهدئة حقيقية تقوم على احترام سيادة الدول، وضمان أمن الخليج، ووقف التهديدات، وفتح مسارات تفاوضية تعالج جذور الأزمات.
ومصر في تعاملها مع الصراعات الإقليمية لا تبحث عن الانتصار لطرف على حساب طرف، وإنما تبحث عن صيغة تمنع اتساع الحرب وتحفظ أمن المنطقة ومصالح شعوبها.
وفي ملف سد النهضة، لم تتعامل مصر بمنطق منع التنمية في أفريقيا، وإنما بمنطق واضح: التنمية حق للجميع، ولكن دون الإضرار بحقوق مصر المائية ومصالحها الحيوية.
وفي كل هذه الملفات، نرى مبدأً مصريًا ثابتًا:
لا قطيعة مع من يمكن الحوار معه، ولا تنازل عن حقوق مصر، ولا قبول بالمساس بأمن الأشقاء، ولا اندفاع إلى حرب يمكن للدبلوماسية أن تمنعها.
هذه هي سياسة التوازن.
أن تكون لمصر علاقات مع الجميع، وأن تستطيع أن تتحدث مع المختلفين، وأن تستمع إلى وجهات النظر المتعارضة، وأن تبحث عن نقاط الالتقاء بدلًا من زيادة نقاط الخلاف.
فمصر ليست دولة تريد أن تربح من خسارة الآخرين.
مصر تريد أن يخرج الجميع من الصراع بأقل خسائر ممكنة، وأن تبقى الدول العربية قوية ومستقرة وقادرة على حماية أمنها ومقدرات شعوبها.
وقد نختلف حول بعض القرارات، وقد نطالب بالمراجعة والتصحيح، وهذا حق طبيعي.
لكن السياسة الخارجية لا تُقاس برد فعل في لحظة، ولا بمنشور على مواقع التواصل.
السياسة الخارجية تُقاس بقدرة الدولة على حماية مصالحها، والحفاظ على علاقاتها، وبناء قوتها، ومنع الحرب عندما يكون منعها ممكنًا، والاستعداد لها إذا فُرضت عليها.
وهنا تتضح قيمة الرؤية المصرية:
جيش قوي يحمي..
ودبلوماسية تتحرك..
وعلاقات متوازنة..
وعقل لا ينجر إلى الاستفزاز..
وموقف واضح عندما يتعلق الأمر بأمن مصر وأمن أشقائها.
ومصر بحكم موقعها وثقلها وتاريخها وعلاقاتها، ستظل بإذن الله بابًا للحل عندما تتعقد الأزمات، وصوتًا للعقل عندما يرتفع صوت الحرب، ومساحة للقاء عندما تنقطع جسور التواصل.
مصر لا تريد الحرب.. لكنها لا تخشاها.
تبحث عن السلام.. دون أن تفرط في حقوقها.
تدعو إلى الحوار.. دون أن تتخلى عن قوتها.
وتقف إلى جوار أشقائها.. دون أن تسمح بتحويل المنطقة كلها إلى ساحة حرب.
فأمن الخليج من أمن مصر، وأمن مصر من أمن الخليج، وأمن العرب جميعًا لا يتجزأ.
ولهذا ستظل مصر بإذن الله الشقيقة الكبرى التي تبحث عن الحل قبل الصدام، وعن التهدئة قبل الحرب، وعن جمع الأشقاء لا تفريقهم.
ومهما اشتدت العواصف وتبدلت الظروف…
مصر باقية.
قوية بعقلها، قوية بجيشها، قوية بدبلوماسيتها، وقوية بشعبها.
ومصر ستظل دائمًا بابًا مفتوحًا للحل عندما تُغلق الأبواب



































