الوثيقة
دكتورة فاتن فتحي: تكتب الممرضون الأقرب إلى الخطر.. شكرا وزير الصحة لتكريم العمود الفقري للمنظومة الصحية؟مالك السعيد المحامي يكتب: إحذروا الوقوع فيها.. أخطاء قاتلة تضيع الحقوق في قضايا الحوادث والتعويضات والعمل والتأميناتمدير عام «إمكان IMKAN»: الكوادر الوطنية المؤهلة هي الثروة الحقيقية لمستقبل التنمية في مصرنقابة العاملين بالنيابات والمحاكم تهنئ رئيس نادي قضاة مصر.. وتثمن اهتمامه بدعم العاملين وتعزيز منظومة العدالةبالتعاون مع مجلس الوزراء.. قافلة بنك الشفاء تكشف على 1415 مواطنًا بالشرقية على مدار يومينسفير تركيا بالقاهرة : محمد صلاح يجسد التقارب الثقافي بين مصر وتركيا.. وانضمامه لطرابزون سبور اختيار ينبع من القلبالطريقة الجازولية تجدد بيعتها ودعمها للرئيس السيسي بمناسبة مولد مؤسسها الإمام جابر الجزوليعُمان تؤكد التزامها بدعم اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخعُمان تواصل دعمها للتوجه العالمي في الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددةالإمام جابر الجزولي...مجدد التصوف وسفير الحب الإلهي في مصرياسر فضة: المنصات الهاربة تبحث عن التكسب المادي على حساب مصلحة الشعب والوطنمحمود عزازي: نتدخل فورًا لجدولة حقوق العملاء في حال تأخر أو تعثر المطور
الرأي الحر

دكتورة فاتن فتحي: تكتب الممرضون الأقرب إلى الخطر.. شكرا وزير الصحة لتكريم العمود الفقري للمنظومة الصحية؟

دكتورة فاتن فتحي
دكتورة فاتن فتحي

لم يكن تكريم الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، لطاقم التمريض العامل بالعيادات الخارجية بمدينة نصر التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي، بعد دورهم البطولي في إخلاء المرضى خلال الحريق الذي اندلع بالمبنى، مجرد لفتة إنسانية عابرة، بل رسالة مهمة تؤكد أن التمريض هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات والطوارئ. فقد أثبت أفراد الطاقم، كما يفعل آلاف الممرضين يوميًا، أن الواجب المهني لا يتوقف أمام النيران أو المخاطر، إذ تولوا إخلاء المرضى وذويهم بسرعة وكفاءة، ووجهوهم إلى مخارج الطوارئ بعيدًا عن المصاعد، بالتعاون مع قوات الحماية المدنية، في موقف يجسد أعلى درجات المسؤولية والشجاعة. وجاء قرار الوزير بصرف مكافآت مالية لهم تقديرًا لجهودهم ليؤكد أن الاعتراف بالتضحيات يجب أن يكون نهجًا مؤسسيًا لا استثناءً.
التمريض ليس مهنة تقليدية تؤدى داخل جدران المستشفيات فقط، بل هو مهنة تتعامل مع الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا واحتياجًا، وتتحمل أعباءً نفسية وجسدية هائلة. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن طواقم التمريض والقِبالة تمثل ما يقرب من 50% من إجمالي القوى العاملة الصحية حول العالم، كما يضم العالم نحو 29 مليون ممرض وممرضة، ورغم ذلك لا يزال هناك عجز عالمي يقدر بنحو 5.9 ملايين ممرض، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات الصحية وسلامة المرضى.
وتؤكد الدراسات الدولية أن الممرض يقضي مع المريض وقتًا يفوق أي عضو آخر في الفريق الطبي، فهو المسؤول عن متابعة العلامات الحيوية، وإعطاء العلاج، ورصد أي تغيرات صحية، والتدخل السريع عند الطوارئ، فضلًا عن تقديم الدعم النفسي للمريض وأسرته. وخلال الأزمات والكوارث، يصبح التمريض في مقدمة الصفوف، سواء في الحرائق أو الحوادث الجماعية أو الأوبئة، وهو ما شهدناه بوضوح خلال جائحة كورونا، عندما فقد آلاف الممرضين والممرضات حول العالم حياتهم أثناء أداء واجبهم المهني.
ولا تقف المخاطر عند حدود العدوى أو الحوادث، بل تمتد إلى ضغوط العمل المستمرة، وساعات المناوبات الطويلة التي قد تتجاوز 12 ساعة متواصلة، والاحتكاك اليومي بالحالات الحرجة، فضلًا عن التعرض أحيانًا للاعتداءات اللفظية أو الجسدية داخل بعض المنشآت الصحية. وتشير تقارير دولية إلى أن العاملين في التمريض من أكثر الفئات عرضة للإجهاد الوظيفي والاحتراق النفسي، وهو ما يستوجب توفير بيئة عمل آمنة، ودعمًا نفسيًا مستمرًا، وبرامج لحمايتهم والحفاظ على كفاءتهم.
ومن هنا فإن ما قام به وزير الصحة يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لسياسة وطنية متكاملة تعيد الاعتبار إلى مهنة التمريض. فالتكريم المعنوي والمادي يحفز العاملين ويرفع الروح المعنوية، لكنه يجب أن يتوازى مع تطوير منظومة التدريب المستمر، وتحديث مهارات التعامل مع الحرائق والكوارث والطوارئ، وتوفير أحدث وسائل الحماية الشخصية، وتحسين بيئة العمل، وتوسيع فرص الترقي، بما يضمن استدامة الكفاءات داخل المنظومة الصحية.
كما أن الاستثمار في التمريض يعد من أعلى صور الاستثمار في صحة المجتمع، فكل جنيه ينفق على تدريب الممرضين وتأهيلهم ينعكس في صورة خدمات صحية أكثر جودة، وانخفاض في المضاعفات الطبية، وسرعة في الاستجابة للحالات الحرجة، وارتفاع معدلات رضا المرضى. ولذلك فإن الدول التي حققت قفزات في جودة الرعاية الصحية لم تحققها بالأجهزة الحديثة وحدها، وإنما ببناء كوادر تمريضية مؤهلة ومدربة وقادرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
إن المطلوب اليوم من جميع الجهات المعنية، سواء الوزارات والهيئات الصحية أو المؤسسات التعليمية والبرلمان، أن تحذو حذو وزير الصحة في تقدير أطقم التمريض، وأن يتحول التكريم إلى ثقافة مؤسسية، لا ترتبط فقط بوقوع الأزمات، بل تمتد إلى دعمهم مهنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بصورة مستدامة. فالتمريض ليس مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية عظيمة، وأصحابها يستحقون كل تقدير ورعاية.
لقد أثبتت واقعة حريق عيادات مدينة نصر أن الممرضين لا يفرون من الخطر، بل يتقدمون إليه لإنقاذ الآخرين. ولهذا فإن الحفاظ على هذه الكوادر، وتوفير التدريب المستمر، وتحسين أوضاعهم، والاحتفاء بإنجازاتهم، لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لضمان منظومة صحية قوية وآمنة وقادرة على مواجهة التحديات. فحين يكون العمود الفقري قويًا، تقف المنظومة الصحية بأكملها أكثر صلابة وقدرة على حماية المجتمع.

الرأي الحر

الفيديو