الوثيقة
دكتورة فاتن فتحي تكتب: تمريض أمراض الشيخوخة.. حتمية توفير كفاءات مدربة تحمي كبار السن وتفتح أبوابًا جديدة للعمل أمام الشبابالإعلامي الإماراتي سعيد حمود يكتب : مصر.. يبقى الكبير كبيرًاكوكبة عربية من السعودية وسلطنة عُمان تتوج بجوائز ملتقى المنجزين العرب 2026أربع قامات عربية تتوّج مسيرة الإنجاز والتأثير في ملتقى المنجزين العرب الخامس عشرتكريم يليق بالإنجاز.. قامات عربية تتوج بجائزتي «الرجل الذهبي» و«ماسة العرب» في ملتقى المنجزين العربنجوم التميز العربي في صدارة التكريم.. نخبة من السعودية والكويت والإمارات تتوج بجائزتي الرجل الذهبي وماسة العرب في ملتقى المنجزين العرب الخامس...مجلس البودشيشية يحسم الجدل حول مشيخة الطريقة ويؤكد شرعية منير القادري وإجراءات قانونية لمعاقبة المخالفينإيهاب محمود: المنصة الوطنية للشباب خطوة استراتيجية في بناء الجمهورية الجديدة«المنجزين العرب» تهنئ فريق السعادة التطوعي بختام معسكر «تعلّم وأبدع».. صناعة جيل يمتلك أدوات المستقبل«ماسة العرب» و«الرجل الذهبي» يكرّمان نخبة من الشخصيات العربية في ملتقى المنجزين العرب الخامس عشرمحمود لملوم: المنصة الوطنية جسر حقيقي لربط طاقات الشباب بصياغة سياسات وبرامج التنميةوسام طايل: رسائل الرئيس السيسي حاسمة لفرز المطور الجاد وحماية حق المواطن
الرأي الحر

دكتورة فاتن فتحي تكتب: تمريض أمراض الشيخوخة.. حتمية توفير كفاءات مدربة تحمي كبار السن وتفتح أبوابًا جديدة للعمل أمام الشباب

الدكتورة فاتن فتحي
الدكتورة فاتن فتحي

لم تعد رعاية كبار السن قضية اجتماعية أو إنسانية فحسب، وإنما أصبحت ملفًا صحيًا وتنمويًا متكاملًا يفرض نفسه بقوة على أنظمة الرعاية الصحية، خصوصًا مع الارتفاع المستمر في أعداد المسنين وزيادة متوسطات العمر وانتشار الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى متابعة طويلة ومهارات تمريضية متخصصة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الموارد البشرية القادرة على التعامل مع أمراض الشيخوخة، باعتبار أن جودة الرعاية المقدمة لهذه الفئة ترتبط بصورة مباشرة بمستوى تدريب وكفاءة الأطقم التي تتولى مسؤولية رعايتها.
وتكشف الأرقام عن حجم التحول الديموغرافي الذي تشهده مصر والعالم. فبحسب بيانات رسمية منشورة عن مصر، بلغ عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر نحو 9.8 مليون نسمة عام 2025، بما يمثل 9.1% من إجمالي السكان، مقابل نحو 9.3 مليون عام 2024 بنسبة 8.8%. كما بلغ عدد المسنين الذكور نحو 4.8 مليون، مقابل 4.9 مليون من الإناث. وهذه الأرقام تعني أن قاعدة الاحتياجات الصحية الخاصة بكبار السن تتسع بصورة واضحة، وبالتالي فإن الحاجة إلى كوادر تمريضية مؤهلة للتعامل مع هذه الفئة ستتزايد هي الأخرى.
وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر إذا وضعناها في إطار الاتجاه العالمي للشيخوخة السكانية؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر ارتفع من نحو مليار شخص عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.4 مليار عام 2030 ثم إلى 2.1 مليار عام 2050. كما تشير المنظمة إلى أن نحو 80% من كبار السن في عام 2050 سيكونون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، الأمر الذي يجعل الاستثمار في نظم الرعاية طويلة الأجل والكوادر البشرية المتخصصة ضرورة وليست رفاهية.
وفي مصر تحديدًا، فإن تطور الخدمات الموجهة لكبار السن يؤكد أن حجم العمل في هذا القطاع يتسع بالفعل. فقد أعلنت وزارة الصحة والسكان في مايو 2026 تقديم الخدمات الطبية لنحو 2 مليون و210 آلاف مواطن من سن 65 عامًا فأكثر، ضمن مبادرة الرعاية الصحية لكبار السن، منذ إطلاقها في أكتوبر 2022، وتشمل الخدمات الكشف المبكر عن ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الدهون وأمراض الكلى والأنيميا وسوء التغذية، إلى جانب الفحوص الإكلينيكية والقلب والنظر وصحة الفم والأسنان والتقييم المبكر للاضطرابات النفسية والمعرفية المرتبطة بالتقدم في العمر.
وهنا تتضح حقيقة مهمة، وهي أن مريض الشيخوخة ليس مجرد مريض عادي يحتاج إلى قياس ضغط أو إعطاء دواء، وإنما هو في كثير من الأحيان حالة صحية مركبة تتطلب فهمًا لطبيعة التغيرات الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية المصاحبة للتقدم في العمر. فقد يعاني المسن في الوقت نفسه من السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب ومشكلات الحركة أو ضعف البصر والسمع واضطرابات الذاكرة، وقد يحتاج إلى متابعة التغذية والأدوية والوقاية من السقوط والعدوى ومراقبة قدرته على أداء الأنشطة اليومية.
ولهذا فإن التعامل مع أمراض الشيخوخة يحتاج إلى تمريض متخصص ومدرب، وليس مجرد توفير عدد من العاملين داخل المستشفيات أو دور الرعاية. فالعنصر البشري هو حجر الأساس في منظومة رعاية المسنين، وكلما ارتفع مستوى التدريب والتأهيل انعكس ذلك على قدرة الفريق على اكتشاف التغيرات الصحية مبكرًا، وتنفيذ تعليمات الطبيب بصورة صحيحة، والتعامل مع الحالات الطارئة، ومتابعة العلاج، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمريض وأسرته.
وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن كثافة التمريض والقبالة في مصر بلغت 19.5 من العاملين لكل 10 آلاف نسمة وفق بيانات عام 2022، مع تحسن قدره 1.19 مقارنة بعام 2013. ورغم أن هذا المؤشر يعكس حجم القوة التمريضية بصورة عامة ولا يمثل تحديدًا عدد المتخصصين في تمريض الشيخوخة، فإنه يوضح أهمية استمرار الاستثمار في زيادة أعداد الكوادر التمريضية ورفع مستوى مهاراتها وتوزيعها بصورة أكثر كفاءة.
المشكلة الحقيقية إذن لا تتعلق بالعدد وحده، وإنما بنوعية هذا العدد ومدى جاهزيته. فوجود ممرض أو مقدم رعاية صحي دون تدريب متخصص في التعامل مع كبار السن قد لا يكون كافيًا أمام حالات تتطلب مهارات دقيقة في التعامل مع ضعف الحركة، واضطرابات الذاكرة، والخرف، ومشكلات التغذية والبلع، والقرح الناتجة عن عدم الحركة، ومخاطر السقوط، وتعدد الأدوية، والتغيرات المفاجئة في الحالة الصحية.
ومن هنا تأتي ضرورة إنشاء مسارات تدريبية واضحة لإعداد عناصر تمريضية متخصصة في أمراض الشيخوخة ورعاية كبار السن، بحيث يحصل المتدرب على معرفة علمية وعملية متكاملة، وليس مجرد دورة قصيرة تمنحه شهادة دون امتلاك المهارات اللازمة للتعامل مع المريض.
ويجب أن تتضمن برامج التدريب دراسة أساسيات طب وتمريض الشيخوخة، والتعامل مع الأمراض المزمنة، وقياس ومتابعة المؤشرات الحيوية، ومتابعة الأدوية والتداخلات الدوائية، والإسعافات الأولية، والوقاية من السقوط، والعناية بالمرضى محدودي الحركة، والتغذية، والنظافة الشخصية، والرعاية النفسية، والتعامل مع اضطرابات الذاكرة والإدراك، فضلًا عن تدريب المتخصصين على كيفية التواصل مع الأسرة وشرح الحالة الصحية بصورة إنسانية ومهنية.
كما يجب ألا يغيب الجانب الإنساني عن برامج إعداد هذه الكوادر؛ فالمسن يحتاج إلى من يحترم خصوصيته وكرامته ويستمع إليه ويتعامل معه باعتباره إنسانًا له تاريخ وتجربة ومشاعر، وليس مجرد حالة مرضية. والرعاية الجيدة لا تعني فقط تنفيذ الإجراءات الطبية، وإنما تعني أيضًا توفير الشعور بالأمان والاحترام وعدم الإهمال.
ومن المهم كذلك أن يكون هناك تدريب عملي حقيقي داخل المستشفيات وأقسام geriatrics ودور الرعاية والمراكز الصحية، تحت إشراف متخصصين، بحيث ينتقل المتدرب من المعرفة النظرية إلى الممارسة الفعلية. فالمهارة التمريضية لا يمكن اكتسابها من الكتب والمحاضرات وحدها، وإنما تحتاج إلى احتكاك مباشر بالحالات، وتقييم مستمر لأداء المتدرب، وتصحيح الأخطاء قبل أن يتحول التدريب إلى ممارسة مستقلة.
وفي هذا السياق، يمثل الشباب الباحثون عن فرص عمل فرصة مهمة يمكن تحويلها إلى قوة حقيقية في قطاع رعاية كبار السن. فبدلًا من النظر إلى البطالة باعتبارها مشكلة منفصلة عن احتياجات المجتمع، يمكن الربط بين الأمرين من خلال برامج وطنية لتدريب وتأهيل الشباب الراغبين في العمل بمجال رعاية المسنين.
وتشير وزارة التخطيط إلى أن الشباب يمثلون نحو 60% من سكان مصر، وهو ما يجعل الاستثمار في تدريبهم وتأهيلهم أحد أهم مسارات الاستثمار في رأس المال البشري. ومن هنا يمكن تصور برنامج متكامل يفتح باب التقديم أمام الشباب الراغبين في دخول هذا المجال، ثم يخضع المتقدمون لتقييم واختبارات أساسية، يليها تدريب نظري وعملي، ثم تدريب ميداني تحت الإشراف، قبل الحصول على اعتماد يسمح لهم بالعمل وفقًا للقواعد المنظمة للمهنة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد توفير عمالة منخفضة التكلفة لدور الرعاية أو المنازل، بل يجب أن يكون الهدف الحقيقي إنشاء مهنة قائمة على العلم والتخصص والحقوق والواجبات. فالشاب الذي يتم تدريبه بصورة جيدة يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤهل في منظومة الرعاية الصحية والاجتماعية، ويمكن أن تتطور خبرته مستقبلًا ليصبح مشرف رعاية أو مقدم رعاية متخصصًا أو مساعدًا في برامج الرعاية المنزلية، وفقًا لمؤهلاته واللوائح المنظمة للعمل.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في هذا النوع من التدريب يمكن أن يحقق فائدة مزدوجة؛ فهو من ناحية يوفر فرص عمل جديدة للشباب، ومن ناحية أخرى يساهم في سد جانب من الاحتياجات المتزايدة في خدمات رعاية كبار السن. كما يمكن أن يساعد على ظهور شركات ومؤسسات متخصصة في الرعاية المنزلية ومراكز الرعاية النهارية وخدمات المساندة لكبار السن، بما يخلق سلسلة جديدة من الوظائف المرتبطة بالصحة والرعاية والخدمات الاجتماعية.
وتزداد أهمية هذا التوجه إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد كبار السن العاملين في مصر بلغ نحو 1.3 مليون شخص عام 2025 وفق البيانات المنشورة رسميًا، وهو ما يؤكد أن كبار السن ليسوا جميعًا خارج دائرة النشاط والإنتاج، وأن بعضهم يحتاج إلى خدمات صحية تمكنه من الاستمرار في حياته العملية والاجتماعية بصورة أفضل.
كما أن الرعاية الصحية لكبار السن لا يجب أن تبدأ فقط عند دخول المستشفى. فالوقاية والمتابعة المنزلية والكشف المبكر يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة. ولذلك فإن إعداد كوادر قادرة على تقديم خدمات الرعاية المنزلية والمتابعة الدورية يمكن أن يمثل أحد أهم محاور تطوير منظومة رعاية المسنين خلال السنوات المقبلة.
وتكشف تجربة المبادرة الرئاسية للرعاية الصحية لكبار السن عن طبيعة الاحتياجات المتعددة لهذه الفئة؛ فالخدمات لا تقتصر على مرض واحد، وإنما تشمل مجموعة من الأمراض غير السارية والمشكلات الصحية والتغذوية والنفسية والمعرفية، مع وجود نظام لإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخلات أكثر تقدمًا إلى المستشفيات. وهذا النموذج يوضح أن الرعاية الناجحة لكبار السن تحتاج إلى فريق متعدد المهارات يعمل بصورة مترابطة.
ويجب أن تشمل منظومة التدريب أيضًا كيفية التعامل مع الحالات التي تعاني من أكثر من مرض في الوقت نفسه، لأن تعدد الأمراض وتعدد الأدوية من أبرز التحديات التي تواجه رعاية كبار السن. ويحتاج مقدم الرعاية إلى معرفة حدود دوره بدقة، ومتى يتعين عليه إبلاغ الطبيب أو الممرض المسؤول عن أي تغير في الحالة، حتى لا تتحول الرعاية المنزلية أو المؤسسية إلى ممارسة عشوائية قد تعرض المريض للخطر.
ومن الضروري أيضًا تدريب العاملين على اكتشاف علامات الخطر، مثل التغير المفاجئ في الوعي أو الحركة أو التنفس، وارتفاع أو انخفاض السكر، والسقوط، والجفاف، والحمى، ومشكلات التغذية والبلع، والتغيرات النفسية والسلوكية المفاجئة. فسرعة اكتشاف هذه العلامات وإبلاغ الفريق الطبي قد تكون عاملًا حاسمًا في إنقاذ حياة المريض أو منع حدوث مضاعفات خطيرة.
ولا يقل التدريب النفسي أهمية عن التدريب الطبي، لأن العامل في مجال رعاية الشيخوخة يتعامل يوميًا مع أشخاص قد يشعر بعضهم بالوحدة أو فقدان الاستقلالية أو الخوف من المرض أو الموت. ولذلك يجب أن يتعلم مقدم الرعاية مهارات التواصل الهادئ والصبر والاستماع واحترام الاختلافات الفردية، مع إدراك أن الكلمة الطيبة والمعاملة الكريمة جزء أصيل من العلاج والرعاية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن كبار السن أكثر عرضة للإصابة بحالات صحية معقدة ومزمنة مقارنة بالأصغر سنًا، وأن التعامل معها يحتاج إلى تنسيق وثيق بين مستويات مختلفة من الخدمات الصحية والاجتماعية. كما تشير المنظمة إلى الحاجة إلى تعزيز أنظمة الرعاية والدعم التي تستجيب لاحتياجات كبار السن.
ومن هنا فإن الحديث عن الموارد البشرية في تمريض أمراض الشيخوخة يجب أن ينتقل من فكرة «توفير أفراد للعمل» إلى مفهوم أوسع هو «بناء قوة بشرية متخصصة». الفرق بين الاثنين كبير؛ فالأول يبحث عن العدد، بينما الثاني يبحث عن الكفاءة والمهارة والأمان والجودة والاستمرارية.
ومن المقترحات المهمة في هذا المجال وضع إطار وطني لتأهيل مقدمي الرعاية لكبار السن، يحدد بوضوح المناهج التدريبية، وعدد ساعات التدريب النظري والعملي، ومتطلبات النجاح، وقواعد التجديد والتدريب المستمر، وأخلاقيات المهنة، وآليات الرقابة والتقييم. كما يمكن ربط هذا النظام بالمستشفيات ومراكز الرعاية ودور المسنين ومؤسسات التدريب المعتمدة.
ويمكن كذلك إطلاق مبادرات مشتركة بين وزارات الصحة والتعليم العالي والعمل والتضامن الاجتماعي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف إنشاء برامج تدريب وتشغيل للشباب في مجال رعاية كبار السن. ويكون المسار واضحًا من لحظة التدريب حتى الحصول على فرصة عمل، مع توفير حوافز للمؤسسات التي تقوم بتشغيل الشباب المؤهلين.
كما يمكن استثمار التكنولوجيا في تطوير هذا القطاع، من خلال تدريب العاملين على استخدام السجلات الإلكترونية، وأجهزة المتابعة المنزلية، ووسائل الاتصال عن بعد مع الفرق الطبية، والتطبيقات التي تساعد في متابعة مواعيد الأدوية والفحوصات، بشرط ألا تحل التكنولوجيا محل العنصر الإنساني الذي يظل جوهر رعاية كبار السن.
إن مصر أمام فرصة مهمة لتحويل التحدي الديموغرافي إلى مجال جديد للتنمية والتشغيل. فارتفاع أعداد كبار السن يعني احتياجًا متزايدًا لخدمات صحية واجتماعية، واحتياج هذه الخدمات يعني ضرورة وجود كوادر مؤهلة، بينما يمكن أن تمثل برامج التدريب والتأهيل فرصة أمام آلاف الشباب الباحثين عن العمل لاكتساب مهارة مطلوبة في سوق العمل.
والرسالة الأساسية التي يجب التأكيد عليها هي أن تمريض أمراض الشيخوخة ورعاية كبار السن لا ينبغي أن يكون مجالًا يُسند إلى أي شخص لمجرد القدرة على تقديم المساعدة اليومية، وإنما يجب أن يتولاه أشخاص أكفاء، مدربون، مؤهلون، يعرفون طبيعة الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، ويدركون مخاطرها، ويعرفون متى يتدخلون ومتى يطلبون المساعدة الطبية.
وفي المقابل، فإن الشباب الذين يرغبون في دخول هذا المجال ويعانون من البطالة يستحقون فرصة حقيقية للتدريب والتأهيل، لا مجرد الوعود. وإذا تم توفير برامج جادة تجمع بين الدراسة والتطبيق والتدريب الميداني ثم التشغيل، فإن المجتمع سيحقق هدفين في وقت واحد: توفير رعاية أفضل وأكثر أمانًا لكبار السن، وفتح أبواب عمل جديدة أمام الشباب.
وتبقى القضية في النهاية قضية استثمار في الإنسان؛ استثمار في كبار السن من أجل أن يعيشوا سنواتهم بصورة أكثر أمانًا وكرامة، واستثمار في الشباب من أجل تحويل طاقتهم من انتظار فرصة العمل إلى اكتساب مهنة يحتاج إليها المجتمع بالفعل. ومع استمرار ارتفاع أعداد كبار السن، فإن الاستثمار المبكر في الكوادر المتخصصة لن يكون ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل سيكون أحد أهم متطلبات بناء منظومة صحية واجتماعية قادرة على مواجهة المستقبل.
إن رعاية كبار السن مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع، ولكن نجاح هذه المسؤولية يتوقف بدرجة كبيرة على الإنسان الذي يقف إلى جوار المريض في لحظات ضعفه. ولذلك فإن إعداد ممرضين ومقدمي رعاية متخصصين في أمراض الشيخوخة يجب أن يحظى بمكانة متقدمة في خطط التدريب والتشغيل، لأن كل جنيه يُستثمر في تدريب هذا العنصر البشري يمكن أن يتحول إلى رعاية أفضل، ومضاعفات أقل، وأمان أكبر للمسن، وفرصة عمل جديدة لشاب يبحث عن بداية حقيقية لحياته المهنية.
ومع التحولات السكانية والصحية المتسارعة، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى كوادر متخصصة في رعاية كبار السن؟ وإنما أصبح: كم عدد هذه الكوادر التي نحتاج إليها؟ وكيف نُعدها؟ وكيف نضمن استمرار تدريبها ورفع كفاءتها؟ وكيف نحول هذا الاحتياج الصحي المتزايد إلى قطاع مهني منظم يوفر فرص عمل لائقة للشباب؟
والإجابة تبدأ من الاعتراف بأن تمريض الشيخوخة تخصص له طبيعته ومتطلباته، وأن توفير الكفاءات المدربة فيه هو استثمار في صحة المجتمع ومستقبله، وأن تأهيل الشباب الراغبين في العمل بهذا القطاع يمكن أن يصبح نموذجًا عمليًا لربط احتياجات المجتمع بملف التشغيل، بما يحقق معادلة مهمة تقوم على رعاية كريمة لكبار السن، وكفاءة مهنية للعاملين، وفرص عمل حقيقية للشباب.

الرأي الحر

الفيديو