الوثيقة
المستشار عبدالناصر خليل يحصل على حكم ببراءة متهم في قضية حيازة وإحراز الهيروين بقصد الاتجاردكتورة فاتن فتحي تكتب: مجتمع بلا ثقافة صحية.. أخطر من مجتمع بلا مستشفياتالنائبة هبة غالي: الإشادة القبرصية بالدور المصري تؤكد مكانة القاهرة في دعم استقرار المنطقةحسن الديب: طموح «إمكان IMKAN» تحويل التسوق النيلي إلى تجربة سياحية متكاملة«ملايين اتصرفت.. فين الأنشطة؟».. نجلاء العسيلي تسأل وزير الشباب عن مراكز حياة كريمة في منفلوطالنائب البحريني عبدالله بن خلف الدوسري سفيرًا للنوايا الحسنة من كامبريدج والاتحاد الدولي للمنجزين العربالنائبة إليزابيث شاكر تشيد بأداء وزير الري: عرض قوي للملف المائي المصري أمام الرأي العام العالميتموين بني مزار وضربة موجعة لمافيا الأغذية الفاسدةفي حفل عائلي بهيج.. خطوبة ندى كريمة الكاتب الصحفي الكبير بشير حسن وسط حضور إعلامي وسياسي بارزالقاهرة تجمع 70 شخصية عربية في ملتقى المنجزين العرب الخامس عشر بمشاركة 14 دولة عربيةمليون ونصف جنيه في ساعة على تيك توك.. المحامي هاني عوض يطرح تساؤلات حول مصادر الأموالالطريقة القادرية الكسنزانية تهنئ الأمة الإسلامية وصوفية العالم بذكري مولد القطب الصوفي ” الإمام عبد القادر الجيلاني”
الرأي الحر

دكتورة فاتن فتحي تكتب: مجتمع بلا ثقافة صحية.. أخطر من مجتمع بلا مستشفيات

دكتورة فاتن فتحي
دكتورة فاتن فتحي

قد يبدو العنوان صادمًا للوهلة الأولى، فالمستشفى بما تملكه من أطباء وأجهزة وغرف عناية مركزة وأقسام للطوارئ يظل أحد أهم أعمدة أي نظام صحي، لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب الصحية الحديثة هي أن قوة المنظومة الصحية لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو حجم التجهيزات الطبية، وإنما أيضًا بقدرة المواطن على فهم صحته، واكتشاف عوامل الخطر مبكرًا، واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والخرافة والشائعة والنصيحة التي قد تتحول إلى خطر.
وهنا تظهر أهمية ما تسميه منظمة الصحة العالمية "الثقافة الصحية"، وهي ليست مجرد قدرة الإنسان على قراءة نشرة دواء أو البحث عن أعراض مرض على الإنترنت، وإنما قدرته على الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية، وفهمها وتقييمها واستخدامها بطريقة تساعده على الحفاظ على صحته وصحة من حوله. وتؤكد المنظمة أن الثقافة الصحية أصبحت أحد محددات الصحة نفسها، وأن ضعفها يمكن أن يزيد الفوارق الصحية داخل المجتمع.
المشكلة أن كثيرًا من المجتمعات تنفق موارد ضخمة على علاج المرض بعد حدوثه، بينما لا تحصل الوقاية والتثقيف الصحي على القدر نفسه من الاهتمام. وقد يبدو بناء مستشفى جديد إنجازًا ملموسًا يمكن رؤيته وقياسه، بينما تبدو حملة لتعليم المواطنين كيفية اكتشاف ارتفاع ضغط الدم أو الوقاية من السكري أو التعامل الصحيح مع المضادات الحيوية أقل بريقًا، رغم أن أثرها قد يبدأ قبل وصول المريض أصلًا إلى باب المستشفى.
الأرقام العالمية تشرح خطورة هذه الفجوة بوضوح. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية قتلت ما لا يقل عن 43 مليون شخص في عام 2021، بما يعادل 75% من الوفيات غير المرتبطة بالجوائح عالميًا. ومن بين هذه الوفيات، حدثت 18 مليون وفاة قبل سن السبعين، وكانت 82% من هذه الوفيات المبكرة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. كما أن أمراض القلب والأوعية الدموية وحدها تسببت في ما لا يقل عن 19 مليون وفاة في ذلك العام، مقابل 10 ملايين وفاة بسبب السرطان، و4 ملايين بسبب أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وأكثر من مليوني وفاة مرتبطة بالسكري، بما في ذلك أمراض الكلى الناجمة عن السكري.
وهذه الأرقام لا تعني أن جميع هذه الوفيات يمكن منعها بمجرد التوعية، فالأمراض المزمنة ترتبط بعوامل وراثية وبيئية واجتماعية واقتصادية معقدة، كما تحتاج إلى تشخيص وعلاج ومتابعة مستمرة، لكن منظمة الصحة العالمية تحدد في الوقت نفسه مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل، من بينها التدخين، وقلة النشاط البدني، والنظام الغذائي غير الصحي، والتعرض لتلوث الهواء، إلى جانب الاستخدام الضار للكحول في البلدان التي يمثل فيها عامل خطر. وهنا تحديدًا تصبح الثقافة الصحية جزءًا من الوقاية، لأنها تساعد الفرد على إدراك الخطر قبل أن يتحول إلى مرض أو مضاعفات.
وفي مصر، تعكس البيانات حجم العبء الذي تتحمله المنظومة الصحية بسبب الأمراض غير السارية. ووفق ملف مصر في تقرير منظمة الصحة العالمية لمتابعة الأمراض غير السارية لعام 2025، استحوذت الأمراض غير السارية على 64% من إجمالي الوفيات في عام 2021، مع تقدير عدد الوفيات المرتبطة بها بنحو 479 ألفًا و400 وفاة، بينما بلغت احتمالية الوفاة المبكرة بسبب أحد الأمراض غير السارية الرئيسية 26% وفق المؤشر المستخدم في التقرير.
هذه الأرقام تجعل الحديث عن الثقافة الصحية في مصر قضية تتجاوز فكرة "التوعية" بمعناها التقليدي. فالمواطن الذي يعرف أن ارتفاع ضغط الدم قد يظل بلا أعراض واضحة، وأن قياس الضغط بصورة دورية قد يكشف المشكلة قبل حدوث مضاعفات، يختلف تمامًا عن شخص لا يذهب إلى الطبيب إلا بعد ظهور أعراض شديدة. والمواطن الذي يعرف أن السكري يحتاج إلى متابعة منتظمة حتى عندما يشعر بأنه بخير، وأن الالتزام بالعلاج لا يتوقف بمجرد تحسن الأعراض، يملك فرصة أفضل للتعامل مع المرض بطريقة صحيحة.
والأمر نفسه ينطبق على السرطان وأمراض القلب والسكتة الدماغية وأمراض الكلى وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة. الثقافة الصحية لا تعني أن يتحول المواطن إلى طبيب، ولا أن يشخص نفسه بنفسه، وإنما أن يعرف متى يحتاج إلى استشارة الطبيب، ومتى تكون الأعراض طارئة، وما الفحوصات الوقائية المناسبة لعمره وحالته، وكيف يتعامل مع العلاج الموصوف، وما المعلومات التي لا ينبغي أن يثق بها.
وتكمن الخطورة في أن الفراغ المعلوماتي لا يظل فارغًا؛ فإذا لم تقدم المؤسسات الصحية معلومة واضحة ومبسطة، فمن المرجح أن تملأها وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات متفاوتة الجودة، بعضها مفيد وبعضها غير دقيق وبعضها قد يكون خطيرًا. وقد يجد المواطن نفسه أمام آلاف النصائح حول الأعشاب، والأنظمة الغذائية، والمكملات، والأدوية، وطرق علاج الأمراض المزمنة، دون أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من معرفة الفرق بين الدليل العلمي والرأي الشخصي أو الإعلان التجاري.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع المرض، وإنما أيضًا مع المعلومة الخاطئة عن المرض. فالمعلومة الطبية غير الدقيقة قد تؤدي إلى تأخير التشخيص، أو إيقاف دواء دون استشارة الطبيب، أو استخدام مضاد حيوي في حالة لا تحتاج إليه، أو اللجوء إلى وصفة شعبية بدل العلاج، أو الاطمئنان الزائف إلى نتيجة تحليل واحدة، أو الخوف غير المبرر من فحص طبي ضروري.
ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات الصحية، التي لا ينبغي أن ينحصر دورها في استقبال المريض وعلاجه، بل يمتد إلى بناء مجتمع قادر على الوقاية واكتشاف المخاطر مبكرًا. وزارة الصحة والهيئات الصحية والمستشفيات والمراكز الطبية والرعاية الأولية والجمعيات الطبية والمؤسسات الإنسانية والمؤسسات التعليمية والإعلام الطبي، جميعها تستطيع أن تتحول إلى منصات مستمرة للتثقيف الصحي، لا إلى جهات تتدخل فقط عندما تظهر الأزمة.
والرعاية الصحية الأولية تحديدًا تملك موقعًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة، لأنها الأقرب إلى المواطن والأقدر على اكتشاف عوامل الخطر قبل تحولها إلى مضاعفات. فالوقاية من المرض لا تبدأ دائمًا داخل غرفة العمليات أو وحدة العناية المركزة، بل قد تبدأ في عيادة صغيرة عندما يسأل الطبيب عن التدخين، أو يقيس ضغط الدم، أو يراجع وزن المريض ونمط غذائه، أو ينصح بالنشاط البدني، أو يكتشف ارتفاع السكر في الدم، أو يوجه الأسرة إلى التطعيم المناسب.
كما أن المؤسسات التدريبية والطبية تتحمل مسؤولية إعداد العاملين في القطاع الصحي على التواصل مع المريض، لأن امتلاك الطبيب أو الممرض للمعلومة العلمية لا يعني تلقائيًا قدرته على إيصالها بطريقة يفهمها المواطن. فالمعلومة الصحية الناجحة ليست الأكثر تعقيدًا، وإنما الأكثر وضوحًا ودقة وقدرة على التحول إلى سلوك صحيح.
وهنا تبرز أيضًا أهمية التمريض، ليس باعتباره حلقة تنفيذية داخل المستشفى فقط، وإنما باعتباره أحد أهم مصادر التواصل المباشر مع المريض والأسرة. فالممرض يستطيع أن يشرح للمريض كيفية تناول الدواء، والعلامات التي تستوجب طلب المساعدة الطبية، وأهمية المتابعة، وأساليب الوقاية من المضاعفات، وأن يصحح بعض المعتقدات الصحية الخاطئة التي قد تؤثر في التزام المريض بالعلاج.
ولا يمكن فصل الثقافة الصحية عن المدرسة والجامعة. فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى معنى الغذاء المتوازن، والنظافة الشخصية، والنشاط البدني، والنوم الصحي، وأهمية التطعيم، ومخاطر التدخين، وكيفية الحصول على المعلومة الطبية من مصدر موثوق، لا يتلقى مجرد دروس إضافية، وإنما يكتسب أدوات قد ترافقه لعقود. وكلما بدأت الثقافة الصحية مبكرًا، أصبح من الممكن أن تنتقل المعرفة من الفرد إلى الأسرة ثم إلى المجتمع.
والأسرة نفسها تمثل مؤسسة صحية غير رسمية. ففي كثير من البيوت يكون قرار الذهاب إلى الطبيب أو شراء الدواء أو التعامل مع أعراض الطفل أو المسن قرارًا عائليًا أكثر منه قرارًا فرديًا. ولذلك فإن نشر الثقافة الصحية بين الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية يمكن أن يغير نتائج صحية كاملة، خصوصًا في ما يتعلق بالأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وتؤكد البيانات الدولية أن الوصول إلى الخدمة الصحية وحده لا يحل كل المشكلات. فوفق منظمة الصحة العالمية، ارتفع مؤشر تغطية الخدمات الصحية الأساسية عالميًا من 54 عام 2000 إلى 71 عام 2023، لكن نحو 4.6 مليار شخص ظلوا في عام 2023 غير مغطين بالكامل بالخدمات الصحية الأساسية، كما واجه 2.1 مليار شخص في عام 2022 مشقة مالية مرتبطة بالإنفاق على الصحة من الجيب، بينهم 1.6 مليار شخص كانوا يعيشون في فقر أو دُفعوا إلى مزيد من الفقر بسبب هذه النفقات. وتعرّف المنظمة التغطية الصحية الشاملة بأنها امتلاك الناس إمكانية الوصول إلى مجموعة الخدمات الصحية التي يحتاجونها، من تعزيز الصحة والوقاية إلى العلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، دون مشقة مالية.
وهذا يعني أن بناء المستشفيات يظل ضرورة، لكنه ليس الصورة الكاملة. فالنظام الصحي القوي يحتاج إلى مستشفيات مجهزة، وأطباء وتمريض مؤهلين، وأدوية متاحة، ورعاية أولية فعالة، ونظم إحالة جيدة، وفحوصات وتشخيص مبكر، وفي الوقت نفسه مواطن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكنه من استخدام هذه المنظومة بصورة صحيحة.
حتى في ملف صحة الأطفال، تظهر أهمية السلوك والمعرفة بجانب توفر الخدمة. وتوضح بيانات اليونيسف الخاصة بمصر أن معدل وفيات الأطفال دون الخامسة انخفض من 86 وفاة لكل ألف مولود حي عام 1990 إلى 22.4 لكل ألف في عام 2024، وهو تحسن كبير على مدى العقود الماضية، لكن البيانات نفسها تشير إلى أن نسبة الأطفال دون الخامسة الذين ظهرت عليهم أعراض عدوى تنفسية حادة وتم طلب المشورة أو العلاج لهم من منشأة أو مقدم خدمة صحي بلغت 65%، بينما بلغت نسبة الأطفال المصابين بالإسهال الذين تلقوا محلول الإماهة الفموية 40% وفق البيانات المعروضة. وتوضح هذه المؤشرات أن المعرفة الصحية وسلوك طلب الرعاية والتعامل الصحيح مع المرض تظل عناصر مؤثرة إلى جانب وجود الخدمات نفسها.
والوقاية لا تعني تخويف الناس من المرض، بل تعليمهم كيفية التعامل معه. فالمجتمع الصحي ليس المجتمع الذي يخاف من السرطان، وإنما المجتمع الذي يعرف عوامل الخطر ويستفيد من برامج الكشف المناسبة. وليس المجتمع الذي يخاف من السكري، وإنما الذي يعرف كيف يقلل عوامل الخطورة، ويكتشف المرض مبكرًا، ويلتزم بالعلاج والمتابعة. وليس المجتمع الذي يخشى ارتفاع ضغط الدم، وإنما الذي يعرف أن قياس الضغط الدوري قد يكون أكثر أهمية من انتظار الصداع أو الدوخة حتى تظهر.
ومن أخطر الأخطاء أن تتحول الثقافة الصحية إلى حملات موسمية مرتبطة بيوم عالمي لمرض معين ثم تختفي بعد انتهاء المناسبة. الثقافة الصحية الحقيقية عملية مستمرة، تحتاج إلى محتوى متجدد، ورسائل قصيرة مفهومة، وأطباء ومتخصصين يتحدثون بلغة الناس، وإعلام مسؤول، ومدارس وجامعات تشارك، ومؤسسات إنسانية تصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا، ومنصات رقمية قادرة على مواجهة المعلومات المضللة بالمعلومة الموثقة.
كما أن المؤسسات الصحية مطالبة بأن تنظر إلى المواطن كشريك وليس كمستقبل سلبي للخدمة. فالمريض الذي يفهم حالته الصحية ويعرف سبب العلاج وموعد المتابعة والعلامات التي تستدعي التدخل الطبي يكون أكثر قدرة على المشاركة في القرار الصحي، وأكثر استعدادًا لطرح الأسئلة، وأقل عرضة للاعتماد على مصادر غير موثوقة.
وفي المقابل، تقع على المواطن مسؤولية لا تقل أهمية؛ فالثقافة الصحية لا تعني تصديق كل ما ينشره الطبيب على وسائل التواصل، ولا تعني البحث عن التشخيص عبر محركات البحث، ولا تعني رفض الطب الحديث لصالح وصفات مجهولة المصدر. إنها تعني امتلاك القدرة على السؤال، والتحقق، وفهم حدود المعلومة العامة، واللجوء إلى الطبيب أو مقدم الرعاية المؤهل عندما يحتاج الأمر إلى تشخيص أو علاج.
المعادلة إذن واضحة: المستشفى يعالج، لكن الثقافة الصحية تساعد على منع الوصول إلى المستشفى في بعض الحالات، أو الوصول إليه في الوقت المناسب عندما تكون الحاجة حقيقية. والأجهزة الطبية تنقذ الأرواح، لكن اكتشاف عوامل الخطر مبكرًا قد يمنع الوصول أصلًا إلى مرحلة تحتاج فيها الحالة إلى أجهزة الإنقاذ. والطبيب يعالج المرض، لكن المجتمع المثقف صحيًا يساعد الطبيب من خلال الالتزام بالمتابعة والعلاج وتغيير السلوكيات التي تزيد المخاطر.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه أي منظومة صحية حديثة ليس فقط: كم مستشفى لدينا؟ وكم جهازًا طبيًا نمتلك؟ وكم سريرًا للعناية المركزة؟ بل أيضًا: كم مواطنًا يعرف متى يقيس ضغطه؟ وكم أسرة تعرف علامات الخطر لدى الطفل؟ وكم شابًا يدرك مخاطر التدخين؟ وكم مريضًا بالسكري يعرف أهمية المتابعة؟ وكم شخصًا يستطيع التمييز بين النصيحة الطبية المبنية على دليل والوصفة المنتشرة على مواقع التواصل؟
المستقبل الصحي لأي مجتمع لن تصنعه المستشفيات وحدها، مهما بلغت درجة تجهيزها، وإنما تصنعه منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية والتثقيف، وتمر بالرعاية الأولية والكشف المبكر، وتصل إلى العلاج والتأهيل والرعاية المتخصصة. وكل جنيه يُنفق على بناء منشأة صحية مهم، لكن كل جهد يُبذل لبناء إنسان يعرف كيف يحمي صحته قبل أن يمرض هو أيضًا استثمار في الصحة العامة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يعيش مجتمع بلا مستشفيات، فهذا خطر واضح تدركه الدول وتسعى إلى مواجهته، وإنما أن يمتلك المجتمع مستشفيات متطورة وأجهزة حديثة، بينما يظل جزء من أفراده عاجزًا عن معرفة متى يحتاج إليها وكيف يصل إليها وماذا يفعل قبل أن يصل إليها. فالمستشفى هو خط الدفاع عندما يقع المرض، أما الثقافة الصحية فهي أحد خطوط الدفاع التي يمكن أن تبدأ قبل المرض، وكلما كان هذا الخط أقوى، أصبحت المنظومة الصحية أكثر قدرة على الوقاية والكشف المبكر وتقليل المضاعفات وحماية الموارد والأرواح.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون هدفنا مجتمعًا يعرف أسماء الأمراض، بل مجتمعًا يعرف كيف يحافظ على صحته، ومتى يطلب المساعدة، ومن أين يحصل على المعلومة، وكيف يميز بين الحقيقة الطبية والادعاء. عندها فقط تصبح المستشفيات جزءًا من منظومة صحة عامة متكاملة، لا المكان الذي يبدأ عنده الاهتمام بصحة الإنسان وينته

الرأي الحر

الفيديو