الدكتورة فاتن فتحي تكتب: موجات الحر الخطر الصامت.. كيف يحمي التمريض المنزلي حياة كبار السن والمرضى المزمنين؟
لم يعد الاحتباس الحراري قضية بيئية أو مناخية فحسب، بل أصبح تحديًا صحيًا عالميًا يفرض نفسه بقوة مع كل صيف، بعدما ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت موجات الحر إلى ظاهرة أكثر تكرارًا وأطول زمنًا وأكثر شدة مما كانت عليه قبل عقود قليلة. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة أعلى متوسطات لدرجات الحرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على صحة الإنسان، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين ترتفع بينهم معدلات المضاعفات والوفيات مع كل موجة حر جديدة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تغير المناخ قد يؤدي إلى نحو 250 ألف وفاة إضافية سنويًا خلال الفترة من 2030 إلى 2050 نتيجة الأمراض المرتبطة بالإجهاد الحراري وسوء التغذية والأمراض المنقولة بالمياه، فيما تؤكد دراسات علمية أن التعرض المستمر لدرجات الحرارة المرتفعة أصبح أحد أهم العوامل التي تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية والفشل الكلوي ومضاعفات أمراض الجهاز التنفسي. كما كشفت دراسة أوروبية موسعة أن موجة الحر التي ضربت القارة الأوروبية في صيف 2022 تسببت في وفاة أكثر من 61 ألف شخص، وكان نحو 88% من الضحايا من كبار السن ممن تجاوزوا الخامسة والستين عامًا، وهو مؤشر واضح على أن الشيخوخة والأمراض المزمنة تمثلان عاملين رئيسيين في زيادة التأثر بالحرارة المرتفعة.
ويحذر الأطباء من أن جسم الإنسان يمتلك قدرة محدودة على تنظيم حرارته الداخلية، ومع استمرار التعرض لدرجات حرارة مرتفعة تبدأ هذه القدرة في التراجع، خاصة لدى كبار السن الذين تقل لديهم كفاءة الغدد العرقية ويضعف الإحساس بالعطش، وهو ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من السوائل والأملاح دون تعويضها بالقدر الكافي. ومع تطور الحالة قد يصاب المريض بالجفاف، ثم الإجهاد الحراري، وصولًا إلى ضربة الشمس التي تعد من أخطر الطوارئ الطبية، إذ ترتفع خلالها حرارة الجسم إلى أكثر من 40 درجة مئوية، وقد تؤدي إلى اضطراب الوعي وفشل وظائف المخ والقلب والكبد والكليتين إذا لم يتم التدخل الطبي العاجل، بينما تتراوح معدلات الوفاة في الحالات الشديدة بين 20 و50% وفقًا لسرعة التشخيص والعلاج.
ولا تتوقف تأثيرات الصيف عند الإصابة بضربات الشمس، بل تمتد إلى تفاقم الأمراض المزمنة بصورة ملحوظة. فمرضى القلب يواجهون عبئًا إضافيًا نتيجة اضطرار القلب إلى ضخ كميات أكبر من الدم للمساعدة في تبريد الجسم، وهو ما يزيد احتمالات الإصابة بالذبحة الصدرية أو قصور القلب أو اضطرابات ضربات القلب. كما أن مرضى ارتفاع ضغط الدم قد يتعرضون لانخفاض شديد في الضغط نتيجة التعرق وفقدان السوائل، بينما قد تزيد مدرات البول من احتمالات الإصابة بالجفاف إذا لم يتم ضبط جرعاتها تحت إشراف الطبيب. أما مرضى السكري، فيتعرضون لتغيرات متكررة في مستويات السكر نتيجة تأثير الحرارة في امتصاص الإنسولين وفقدان السوائل، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض أو ارتفاع السكر بصورة مفاجئة، فضلًا عن زيادة احتمالات الإصابة بالحموضة الكيتونية لدى بعض المرضى. كذلك ترتفع مخاطر تدهور وظائف الكلى بسبب نقص السوائل، بينما يعاني مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن من زيادة نوبات ضيق التنفس نتيجة ارتفاع نسب التلوث والأوزون المصاحب لموجات الحر.
وتشير البيانات الصحية الدولية إلى أن أكثر من 80% من الوفيات المرتبطة بموجات الحر تحدث بين كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، كما ترتفع معدلات دخول أقسام الطوارئ والمستشفيات بصورة ملحوظة خلال الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية. وفي ظل توقعات الخبراء باستمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات المقبلة نتيجة التغيرات المناخية، أصبح البحث عن وسائل فعالة لحماية هذه الفئات ضرورة صحية وإنسانية لا تحتمل التأجيل.
ومن هنا تتزايد أهمية التمريض المنزلي الاحترافي باعتباره أحد أهم أركان الرعاية الصحية الحديثة، خاصة مع تفضيل كثير من المرضى تلقي الرعاية داخل منازلهم بدلًا من التنقل المتكرر إلى المستشفيات. فالتمريض المنزلي لم يعد مجرد خدمة لتقديم العلاج، بل أصبح منظومة متكاملة تعتمد على كوادر مؤهلة ومدربة تمتلك المهارات العلمية والعملية للتعامل مع الحالات الحرجة، ورصد التغيرات الصحية الدقيقة قبل تحولها إلى مضاعفات تهدد حياة المريض. ويقوم فريق التمريض بمتابعة العلامات الحيوية بصورة منتظمة، وقياس ضغط الدم والسكر ونسبة الأكسجين ودرجة حرارة الجسم، ومراقبة مؤشرات الجفاف واضطراب الوعي، والالتزام بالخطة العلاجية، والتواصل المستمر مع الطبيب المعالج عند ظهور أي تغير غير طبيعي.
وتؤكد دراسات متخصصة في الرعاية الصحية المنزلية أن وجود فريق تمريض مؤهل داخل المنزل يسهم في خفض معدلات إعادة دخول المستشفيات بنسبة تتراوح بين 20 و30% بين المرضى المزمنين، كما يقلل من المضاعفات الناتجة عن التأخر في اكتشاف التغيرات الصحية، ويحسن جودة الحياة، ويمنح الأسرة قدرًا أكبر من الطمأنينة، خصوصًا خلال موجات الحر الشديدة التي قد تتدهور خلالها حالة المريض خلال ساعات قليلة إذا غابت المتابعة الطبية الدقيقة.
وتنصح الهيئات الطبية الأسر التي تضم مسنين أو مرضى مزمنين بعدم الانتظار حتى ظهور الأعراض الخطيرة، والاهتمام بالإجراءات الوقائية اليومية، وعلى رأسها توفير بيئة منزلية جيدة التهوية أو مكيفة، والحفاظ على درجة حرارة مناسبة داخل المنزل، وتشجيع المريض على تناول الماء والسوائل بصورة منتظمة حتى في غياب الشعور بالعطش، مع تقديم وجبات خفيفة ومتوازنة غنية بالخضروات والفواكه، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، وارتداء الملابس القطنية الفاتحة، وقياس ضغط الدم والسكر ودرجة الحرارة بصورة دورية، والالتزام بمواعيد الأدوية وعدم تعديل جرعاتها إلا بعد استشارة الطبيب.
كما يشدد الأطباء على ضرورة طلب المساعدة الطبية فور ظهور علامات الخطر، مثل الارتباك أو فقدان الوعي، أو ارتفاع حرارة الجسم بصورة شديدة، أو تسارع ضربات القلب، أو ضيق التنفس، أو توقف التعرق رغم ارتفاع الحرارة، أو القيء المتكرر، أو قلة البول، أو الشعور بإجهاد شديد غير معتاد. وفي مثل هذه الحالات، يمثل وجود فريق تمريض منزلي احترافي ومدرب عنصرًا حاسمًا في سرعة تقييم الحالة، والبدء في الإسعافات الأولية الصحيحة، واتخاذ القرار المناسب بشأن نقل المريض إلى المستشفى عند الحاجة، بما يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل المضاعفات، ويؤكد أن التمريض المنزلي لم يعد خدمة تكميلية، بل أصبح خط الدفاع الأول لحماية المسنين وأصحاب الأمراض المزمنة في مواجهة صيف تزداد قسوته عامًا بعد عام بفعل الاحتباس الحراري.



































