خلال مشاركته في القمة الدينية الدولية بروسيا.....الدكتور محمد النوري : نرفض الهيمنة على الشعوب.. والسلام لا تصنعه القوة بل تبنيه العدالة وتصونه الكرامة
من قلب مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، وفي محفل دولي جمع نخبةً من القيادات والشخصيات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم، حمل الشيخ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى ونائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي بالعراق ، رسالة العراق إلى أعمال القمة الدينية الدولية الثانية، مؤكدًا أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة البوصلة الأخلاقية والروحية في علاقاته بين الشعوب والدول، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على منطق القوة والهيمنة، وإنما على العدالة والكرامة والاحترام المتبادل.
وفي موقف واضح أمام المشاركين في القمة، استنكر الدكتور النوري ممارسات الاستكبار العالمي ومحاولات فرض الهيمنة والإرادة بالقوة على الشعوب، والسيطرة على مقدراتها والتدخل في شؤونها الداخلية، منتقدًا غياب الموقف الفاعل للمنظمات الدولية المعنية، ومؤكدًا أن استقرار العالم يبدأ من احترام سيادة الدول وكرامة الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن سياسات الإخضاع والسيطرة.
وجدد موقفه الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مشددًا على ضرورة حماية المدنيين وصون المقدسات، انطلاقًا من الثوابت الإسلامية والعربية والإنسانية والدولية.
وأكد الدكتور النوري أن الأزمات التي يعيشها العالم ليست أزمات موارد وإمكانات فحسب، وإنما هي في جانب كبير منها أزمات قيم وثقة وإدارة للاختلاف؛ فالتقدم العلمي والتقني، مهما بلغ، لا يكفي وحده لبناء عالم آمن ما لم تصاحبه منظومة أخلاقية تجعل الإنسان وكرامته في مركز الاهتمام.
وشدد على أن اختلاف الأديان والقوميات والثقافات ليس مبررًا للصراع، بل مساحة للتعارف والتعاون والتكامل، وأن الحوار الحقيقي لا يعني أن يتخلى الإنسان عن عقيدته وثوابته، وإنما أن نتعلم كيف ندير اختلافنا بالحكمة، حتى لا يتحول التنوع إلى خصومة، والدين إلى أداة للكراهية والصراع.
وحملت الكلمة إلى العالم تجربة العراق بما لها من عمق حضاري وما عليها من آثار الحروب والإرهاب والتطرف والطائفية، مؤكدًا أن العراقيين تعلموا من تجربتهم أن أمن أي مكوّن هو جزء من أمن العراق كله، وأن الاعتداء على مسجد أو حسينية أو كنيسة أو معبد أو أي مكان مقدس هو اعتداء على السلم الأهلي والمجتمع بأسره.
كما أكد أن الإرهاب والتطرف لا يُهزمان بالقوة وحدها، وإنما بالفكر الواعي والتعليم الرصين والخطاب الديني المعتدل والعدالة والتنمية والتربية والعمل؛ لأن حماية الشباب من التطرف وخطابات الكراهية تبدأ ببناء الإنسان قبل معالجة النتائج التي يخلّفها التطرف.
وطرح الدكتور النوري رؤيةً عمليةً أمام القمة تدعو إلى تعزيز التواصل بين القيادات الدينية والعلمية والفكرية، وتطوير جهد دولي مشترك لمواجهة خطاب الكراهية والتطرف الديني والعنصري، وإشراك الشباب في برامج الحوار والوساطة، وتوسيع الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الدينية ومراكز البحث، وتحويل الحوار بين الأديان من لقاءات ومؤتمرات إلى مشروعات إنسانية مشتركة لمكافحة الفقر وحماية الأسرة والطفولة وإغاثة ضحايا الحروب والكوارث.
واختتم الدكتور النوري رسالته من العراق إلى العالم بالتأكيد على أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُؤدَّى؛ وأنه لا تصنعه القوة وحدها، بل تبنيه العدالة، وتصونه الكرامة، وترسخه المعرفة، وتصنع الأديان جسوره حين تتحول قيمها إلى رحمة وتفاهم وعمل من أجل الإنسان.
وأعرب في ختام مشاركته عن تقديره لروسيا الاتحادية ومدينة سانت بطرسبورغ ولسماحة المفتي الشيخ رافيل بانشييف والقائمين على القمة، مثمنًا الجهود المبذولة في تعزيز الحوار والتواصل بين القيادات والمؤسسات الدينية.



































