اعذره ياولدى فمشاعر اليُتم تُدمي
من حقيبة الذكريات نحتسي الحلم دخاناً، ومن دفاتر الغياب تمضي عقارب الزمن، لتنام الأحلام باكية فوق وسادة الأمل. عندها ينعدم أنين الندم، وينام الصمت بضفاف التعاسة ملتحفاً نظرات الفقد، ومستنشقاً فراغَ الانتظار! أغلال الظلام أثْرت الخرافات، والخرافات افترست بواعث الإلهام، ورواسب الأساطير عمّقت الهواجس وحررت الأشباح، وما زلت أظن عبقرية الزمان والمكان عنواناً لكائنٍ.. كان يُدعى يوماً (إنسان)!!! وهذا إشعار المستقبل: ﴿دينٌ مكتوب ومُسجَل لعبقري الزمان والمكان الذي باع عَرَض الدنيا والمقابل جميل المآل﴾، والماضي ذاكرة المستقبل، وكذلك قول الجمهور: (الحاضر والماضي والمستقبل هو الله).
أكثر من ثلاثة عقود في حساب الأحداث لا الزمن؛ متنقلاً ومسافراً ومهاجراً شرقاً وغرباً، وطارقاً فقهاء الحكمة، ونبلاء الفكرة، وأساطين البلاغة والشعر والأدب، ورواد التربية، وعرّافي الروح، وقارئي الكف! ونهاية اليقين موجب صفر!! حتى مررتُ قاصداً نفْساً بلا لغة، بلا حراك، بلا همس! وما كان إلا ضجيج الصمت؟ وناظرتْني رفاتٌ وأغوار وتجاويف؟ وأوهام وهواجس وتصاوير، وكانت سيدَ الحضور ذكرياتُ الأمس؟ وما كانت إلا أمنية ليتيم تدعى ﴿ رَغَد ﴾ العَيش! حينها رافقتني ذاكرة الغيب وكانت ذكرياتِ المستقبل. وبما أني أظن ولا أضنّ، فالحياة حلم يطويه طول الأمد بثلاث صدمات: (صدمة اليقظة حين الواقع، وصدمة اليقظة حين النوم، وصدمة انتهاء الحلم ونهاية العمر).... وأنا ذكرى الحلم! والحلم أمي!
تساءلتْ بدلال أمٍّ لابنها: أتحبني؟
فأجاب أمه: أحبكِ وتأبينُ الذكرى بلا رثاء!
سخرت الأم وقالت بمكر شجيٍّ عفيف لطيف: أصدقاً ونفاقاً، أم كذباً ورياءً؟ أوضوحاً وغموضاً؟
وأعاد مكملاً دلالها: أم وعياً وغياباً، أو غدراً ووفاءً؟ أحبكِ لا فاءَ ولا داءَ ولا راءَ ولا باءَ! حبكِ موصولٌ: خريفٌ وربيعٌ وصيفٌ وشتاءَ، حبكِ ضميرٌ مسافر فلا انقطاعٌ ولا انحناءَ!!
حديث القلب... مع حبيب ليس الأحب!
في حضن أمي... وعلى غير ما اعتدتُ، دخلتُ يوماً فما سلمتُ ولا هامستُ ولا نويتُ..! كانت نظرة تقطر منها؛ أحسبها تمثالاً ملَّ الانتظار من الترقب والتأهب والاستسلام ليقين معلق! والآن أعادتني نظرتها من تحت الأرض!! وأعادت الأرض لنظرتها! وتحاملتُ متوارياً وخطواتي وصدى الصمت! وعلى أطلال الخجل المغدور وجبر الخاطر وعلى حافة السر تكوّمت، حيث كنتُ، ولانهاية من الأسئلة تُفني وجودي كلمح البرق! ناظرتُها بطرف عين حيث كنتُ الابن وكنت الأب وكانت أمي؟ زاد سقف الفضول لعلي أبلغ منها وبيانها المعلق! وكانت كفٌّ تحوي نصف الوجه والنصف الآخر أرقبه وأهرب مني وأراوغ وأمثل دور المجهول بضمير الغيب! وسريعاً تداولتُ الفكرة وفقه القواعد وكنتُ حيث هي (قرفصاء الأرض)، واحتويتُ عذرها وزادت أمّاً! فقبل يدي ندب قلبي قلبَها حين الحشا!! وبرشد الفطرة ونص الحكمة كان موال العنا؟
الروح بعتابي سخية، وأوجاعي بأضلعي عفية.... أهرب مني إليها! وترمقني نظرتها، فيذوب الجليد ويعود الابن الوليد وإلى روحها يرهقها! ويجمعني الاستنكار: أهذا جزاء الإحسان؟ وما زلت أهرب في عراك من خيال وطقوس الانتظار! وارتسم ثغر الأم على أطراف متاهة الهروب فكانت الأضواء! وعدت طفلاً صغيراً يشتهي الأشياء ولكنَّ أمي!
فاكراه يا ابني، دا موال قديم! كنت أدندنه واحنا صغار وصار هو الأبيات! مانت عارف ما كان للبنت زمان مدارس، لسه فاكره ولسه ذاكره لما سألوا: فاطمة فين؟ قالوا ماتت! وأنا قلت ماتت! ماتت يعني إيه؟
يعني ما في مدرسة.. تعالى وخليني أحكي لك حدوتة؛ كان لأبٍ حكاية، وكانت الحكاية ابنه، والدنيا مراحل زي الإنسان (طفل ضعيف، وشاب عفيف، وحكيم لطيف). ومشيت الدنيا ومشينا معاها لحد ما عرفت الفرق بين (الابن والحكاية)! الفرق كان في الإنسان، نوع الإنسان، كان إنسان الحق والأصول، إنسان القواعد. وكان الضمير سفير سلام بين النفوس لا للمواسم والفصول! ولا كان شيء اسمه فضول!
رجال ومروءة وشهامة ودين وأدب، والكلمة زي السيف، ولا كان مصايف للصيف ولا لعزيز الضيف!
دا كان زمان.. زمن الرجال، زمن الحدود، دا كان زمان زمن الجدود! لكن زمانك.. راجلك في وحدك!!
ويعود الربيع وتكون دندنة أمي.... وموالي القديم.
ناظرتُها ملامحي فتدانت، فحكيتُ لها شكواي فناظرتْني بأسف وقالت: أأنت شكواي أم بلواي؟ ولم أدرِ أتلاشيتُ أنا أم هي قد شاخت!
وكانت آهُ أمي: (متملقٌ يهدم فيك كل ما أبني؟ وأنت بنائي وابني. وهكذا قالها جدي لعمي: اعذره يا ولدي فمشاعر اليُتم تُدمي) وكانت أمي.......
قبل أن أنام أفتح هاتفي، لتكوني أنتِ آخر ما نظرتْ عيوني من الأنام! حينها: أضع هاتفي بلا ملل، وأجمع فيكِ كل صنوف الأمل، وأبعد عنكِ وخزات الألم، وأنهض مفاخراً بكِ المثل، ثم أغمض عيني ولا أحلم بقربكِ!! بل أرجوني بعض فضلكِ وقليل فيضكِ وأمان قلبكِ، وابتسامة ثغركِ، يزداد سقف الحلم وأرجوني خصلة شعركِ وزجاجة عطركِ، وأنيس دربكِ ونبض قلبكِ وخطاً بكفكِ وشامة بخدكِ ووقار جبينكِ، وأرجوني حارساً لمسامكِ وأماناً لروحكِ وبهجة لفؤادكِ، بل أرجوني نبضة بوريدكِ........
حينها يغتالني ضجيج الصمت وتتبعُها تنهيدة شوق، تعانق صدى المسافة حيث أنتِ.. أنتِ. أفرك جبيني لأستعيد وجودي وغيابكِ المديد الحضور، وأتعهد في ساحة مليئة بالحضور وأشهدُهم بأني لأجلكِ المنذور، ومن قديم الزمان والعصور، ومن وريدكِ إلى شريانكِ كان المرور، أغتسل من قلبكِ الطَهور هنالك وحينها.... أتوسد السكينة وأنسى الحضور.



































