محمد الخفاجي يكتب: أمريكا في عيدها الـ250: بين الاحتفال وصرخات الضحايا!!
تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على تأسيسها في مناسبة يفترض أن تكون لحظة استعراض لإنجازات دولة أصبحت واحدة من أقوى القوى السياسية والاقتصادية في العالم لكن هذه الذكرى بالنسبة لكثيرين لا تمر بوصفها احتفالًا عاديًا بل تفتح من جديد أسئلة قديمة حول الثمن الإنساني الذي دفعته شعوب كثيرة في مسار صعودها.
ويرى منتقدون أن التاريخ الأمريكي لا يمكن قراءته بمعزل عن الحروب والتدخلات العسكرية التي امتدت من الداخل إلى الخارج بدءًا مما يصفونه بإبادة السكان الأصليين والاستيلاء على أراضيهم مرورًا بحرب فيتنام التي خلّفت ملايين الضحايا وصولًا إلى حربي العراق وأفغانستان وما رافقهما من دمار واسع وسقوط أعداد هائلة من المدنيين ويعتبر هؤلاء أن القوة الأمريكية لم تُبنَ فقط على الاقتصاد والتكنولوجيا بل أيضًا على شبكة طويلة من العنف السياسي والعسكري.
ويضيف أصحاب هذا الطرح أن الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في عدد كبير من الصراعات الدولية سواء عبر التدخل العسكري أو العقوبات الاقتصادية أو دعم حلفائها ويرون أن شعارات الحرية والديمقراطية لم تكن دائمًا متوافقة مع نتائج تلك السياسات على الأرض حيث دفعت شعوب بأكملها أثمانًا باهظة من أرواح أبنائها واستقرار أوطانها.
وفي الشرق الأوسط يعتقد كثيرون أن الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل كان أحد أبرز العوامل التي ساهمت في استمرار الصراع وتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة فبينما تؤكد واشنطن أنها تدافع عن أمن حليفها يرى منتقدوها أن هذا الدعم منح إسرائيل غطاءً سياسيًا وعسكريًا مكّنها من مواصلة عملياتها في وقت تتزايد فيه أعداد الضحايا والنازحين وتتسع رقعة الدمار.
وبالنسبة لهؤلاء فإن الاحتفال بمرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة لا يمكن أن يكون مناسبة منفصلة عن ذاكرة الشعوب التي عاشت ويلات الحروب ولا عن صور الأطفال تحت الأنقاض ولا عن المدن التي تحولت إلى ركام ولا عن ملايين الأسر التي فقدت أبناءها أو اضطرت إلى الهجرة بحثًا عن الأمان.
وفي المقابل يذكّر آخرون بأن الولايات المتحدة نفسها شهدت أيضًا نضالات داخلية من أجل الحقوق المدنية واحتضنت موجات هجرة صنعت جزءًا كبيرًا من تنوعها وقدمت في مجالات العلم والاقتصاد والثقافة ما غيّر وجه العالم لكن حتى هذا الجانب الإيجابي كما يقول منتقدوها لا يلغي الحاجة إلى مواجهة الماضي بصدق لأن الأمم لا تُقاس فقط بما حققته من تقدم بل أيضًا بقدرتها على الاعتراف بأخطائها وتحمل مسؤوليتها الأخلاقية.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تهنئة أو عدم تهنئة هل يمكن الاحتفال بتاريخ دولة بينما ترى شعوب كثيرة أن هذا التاريخ ارتبط في ذاكرتها بالحروب والتدخلات والدمار وهل تكفي الإنجازات العلمية والاقتصادية والعسكرية لتجاوز آلام ملايين البشر الذين ما زالوا يحملون آثار تلك الصراعات.
قد تختلف الإجابات باختلاف المواقف السياسية لكن يبقى المؤكد أن مرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة ليس مجرد مناسبة احتفالية بل محطة تدفع العالم إلى إعادة قراءة التاريخ بكل ما فيه من إنجازات وإخفاقات ومن قوة ونفوذ ومن آمال وآلام
وبين من يرفع الأعلام احتفالًا ومن يستحضر أسماء الضحايا تبقى الذكرى مناسبة تذكّر بأن التاريخ لا يُكتب فقط بما يرويه المنتصرون بل أيضًا بما تحتفظ به ذاكرة الشعوب التي دفعت الثمن.



































