الوثيقة
انطلاق الموسم الثاني من برنامج ”العلامة الكاملة” مع الإعلامي محمد الإشعابي على شاشة ”الشمس 2”دكتورة فاتن فتحي تكتب: ”مساعدو التمريض” من البطالة إلى الاستثمار المستدام.. أمريكا وألمانيا نموذجامباحثات بين ريفا فارما ومجموعة ICPM الإماراتية لاستكشاف فرص التعاون والتوسع بالسوق الإماراتيرئيس المركز: ازالة ١٢حالة تعدى على ارض زراعية و بناء مخالف ببنى مزار - المنيا : حسن الجلادرئيس المركز : استمرار متابعة اعمال التطوير والرصف بحى جنوب - المنيا : حسن الجلادصحة بني مزار : وتتوالى الإنجازات.. نقلة نوعية في الخدمات الطبية المقدمة افتتاح عيادة الإيكو للأطفال بالمركز الطبي الحضري ببني مزار -...إليزابيث شاكر: مصر بقيادة السيسي تقود جهود التهدئة وتدافع عن حقوق الشعوب في المحافل الدوليةالنائبة رانيا الشيمي تتقدم بطلب إحاطة بشأن تهالك مراكز الشباب وصيانة المنشآت الرياضية المتهالكةجمعية سند تشارك في حفل مشروعات تخرج أبرزت أهمية الكفالة ورعاية الأيتام بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والأدابأشرف محمود: مصر الدولة الوحيدة المستقرة بفضل وعي قيادتها وقوة جيشهاأشرف محمود: وعي الشعب المصري وانفتاحه يضمنان عدم تكرار فوضى الماضي أبدًارئيس المركز فى جولة ميدانية لمتابعة مشروعات الخطة الاستثمارية ببنى مزار - المنيا : حسن الجلاد
الرأي الحر

دكتورة فاتن فتحي تكتب: ”مساعدو التمريض” من البطالة إلى الاستثمار المستدام.. أمريكا وألمانيا نموذجا

دكتورة فاتن فتحي
دكتورة فاتن فتحي

تتعامل العديد من الدول النامية مع بطالة مساعدي التمريض باعتبارها مشكلة وظيفية تضاف إلى قوائم الباحثين عن العمل، بينما تنظر الدول المتقدمة إلى الفئة نفسها باعتبارها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد الصحي الحديث. وبينما يُنظر إلى مساعد التمريض في بعض الأنظمة الصحية بوصفه مهنة مساندة محدودة الدور، نجحت دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وعدد من دول الخليج في إعادة تعريف هذه الفئة المهنية وتحويلها إلى ركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية المجتمعية والمنزلية ورعاية كبار السن والأمراض المزمنة، الأمر الذي خلق فرص عمل واسعة وخفف العبء عن المستشفيات وحقق وفورات مالية كبيرة للأنظمة الصحية.

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في مفهوم الرعاية الصحية. فبعد أن كانت المستشفيات هي المركز الرئيسي لتقديم الخدمات الطبية، أصبحت السياسات الصحية الحديثة تتجه نحو نقل جزء كبير من الرعاية إلى المنازل والمجتمعات المحلية ومراكز التأهيل والرعاية طويلة الأمد. ويعود ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإقامة بالمستشفيات، وزيادة متوسط الأعمار، وتنامي أعداد المصابين بالأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة أكثر مما تتطلب تدخلاً طبياً معقداً. وفي قلب هذا التحول برز مساعدو التمريض باعتبارهم العنصر الأكثر قدرة على سد الفجوة بين الطبيب والمريض وبين المستشفى والمنزل.

في الولايات المتحدة يمثل مساعدو التمريض أحد أكبر القطاعات المهنية الصحية. وتشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى وجود ما يزيد على 1.44 مليون مساعد تمريض يعملون بشكل مباشر داخل المنظومة الصحية، مع توقع استمرار الحاجة إلى أكثر من 211 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً خلال العقد القادم نتيجة التقاعد والنمو المستمر في الطلب على خدمات الرعاية. كما يبلغ متوسط الأجر السنوي لمساعد التمريض نحو 39 ألف دولار، ما يعكس تحول المهنة إلى نشاط اقتصادي مستقر ومولد للدخل وليس مجرد وظيفة هامشية. وتؤكد التوقعات الأمريكية أن الطلب المستقبلي لن يكون متركزاً داخل المستشفيات فقط، بل سيتجه بصورة متزايدة نحو الرعاية المنزلية والرعاية المجتمعية ومتابعة المرضى بعد الخروج من المستشفيات، وهو ما يفتح المجال أمام توسع أكبر لدور مساعدي التمريض.

وتظهر التجربة الأمريكية أن نجاح توظيف مساعدي التمريض لم يكن قائماً على استيعابهم في المؤسسات الصحية التقليدية فحسب، بل على بناء قطاع اقتصادي متكامل للرعاية المنزلية. فمع التقدم في العمر لدى السكان الأمريكيين وازدياد أعداد من تجاوزوا الثمانين عاماً، أصبحت خدمات الرعاية المنزلية من أسرع القطاعات الصحية نمواً. وتشير التقارير إلى أن نسبة كبيرة من خدمات المتابعة اليومية للمرضى وكبار السن تُنفذ بواسطة مساعدين ومقدمي رعاية مؤهلين، ما ساهم في خفض الضغط على أقسام الطوارئ وتقليل الحاجة إلى الإقامة الطويلة داخل المستشفيات. كما أن أزمة نقص العاملين في هذا القطاع دفعت الولايات والحكومات المحلية إلى الاستثمار في برامج تدريب مجانية ومنح دراسية لاستقطاب المزيد من العاملين، وهو ما يعكس القيمة الاقتصادية الكبيرة لهذه المهنة داخل الاقتصاد الأمريكي.

أما ألمانيا فتقدم نموذجاً أكثر وضوحاً في كيفية تحويل الحاجة الصحية إلى فرصة استثمارية. فالتغيرات الديموغرافية هناك جعلت من رعاية كبار السن قضية وطنية. وتشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو خمسة ملايين شخص يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد، مع توقع ارتفاع العدد إلى ما يقارب 6.8 مليون شخص بحلول عام 2055 نتيجة الشيخوخة السكانية. كما تمتلك ألمانيا أكثر من 15 ألف دار رعاية وما يقرب من 15 ألف خدمة رعاية منزلية، وهي أرقام تعكس حجم السوق الضخم الذي يعتمد بصورة أساسية على الممرضين ومساعدي التمريض والعاملين في الرعاية طويلة الأمد.

ولمواجهة هذا الطلب المتزايد، اتجهت ألمانيا إلى توسيع صلاحيات وأدوار العاملين في الرعاية الصحية المساندة، مع تطوير برامج التأهيل والتدريب المهني وربطها بسوق العمل مباشرة. وقد أصبحت مهن الرعاية الصحية من أكثر المهن طلباً في سوق العمل الألماني، إلى درجة أن العديد من الولايات والمؤسسات الصحية تعتمد برامج استقطاب دولية لسد العجز في القوى العاملة. والهدف الأساسي من ذلك ليس فقط توفير وظائف جديدة، وإنما حماية النظام الصحي من الانهيار أمام الزيادة المستمرة في أعداد كبار السن المحتاجين إلى الرعاية اليومية والمتابعة المستمرة.

وفي دول الخليج العربي، خصوصاً الإمارات والسعودية وقطر، شهد قطاع الرعاية المنزلية نمواً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة مدفوعاً بارتفاع مستويات الدخل وتوسع التأمين الصحي وزيادة الطلب على الخدمات الصحية خارج المستشفيات. وقد أدى ذلك إلى ظهور شركات متخصصة في الرعاية المنزلية والتأهيل والعلاج الطبيعي والرعاية الممتدة، وأصبح مساعد التمريض جزءاً أساسياً من نموذج الأعمال الصحي الجديد. وفي كثير من الحالات أصبحت تكلفة زيارة منزلية دورية لمريض مزمن أقل بكثير من تكلفة دخوله المتكرر إلى المستشفى، وهو ما شجع الحكومات وشركات التأمين على دعم هذا النوع من الخدمات.

إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه النماذج العالمية هو أن البطالة بين مساعدي التمريض ليست في حقيقتها مشكلة نقص وظائف، وإنما مشكلة غياب رؤية اقتصادية وصحية لاستثمار هذه الكوادر. فعندما يُنظر إلى مساعد التمريض باعتباره جزءاً من منظومة الرعاية المجتمعية، يصبح قادراً على المساهمة في متابعة مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وكبار السن وذوي الإعاقة والحالات التأهيلية، وهي فئات تمثل النسبة الأكبر من العبء الصحي في معظم الدول.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن تكلفة توظيف مساعد تمريض في الرعاية الوقائية أو المنزلية أقل بكثير من تكلفة علاج المضاعفات الناتجة عن غياب المتابعة. فكل مريض تتم متابعته منزلياً بصورة منتظمة يعني احتمالية أقل لدخول المستشفى، وأيام إقامة أقل داخل الأسرة الطبية، وضغطاً أقل على أقسام الطوارئ، وتكاليف أقل على ميزانية الدولة. ولذلك تنظر الأنظمة الصحية الحديثة إلى مساعد التمريض باعتباره أداة لخفض النفقات وليس بنداً إضافياً للإنفاق.

إن تحويل عشرات الآلاف من مساعدي التمريض من باحثين عن عمل إلى مقدمي خدمات صحية منزلية ومجتمعية يمكن أن يؤدي إلى إنشاء قطاع اقتصادي جديد بالكامل يقوم على الرعاية المنزلية، ورعاية كبار السن، والمتابعة الوقائية، والخدمات التأهيلية، وبرامج الصحة المدرسية، والرعاية الممتدة بعد العمليات الجراحية. كما يمكن أن يخلق آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الصحي ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ويعزز الاستثمار في الاقتصاد الصحي الوطني.

ولهذا فإن التجارب الأمريكية والألمانية والخليجية تثبت أن الاستفادة من مساعدي التمريض ليست فكرة نظرية أو مبادرة غير مجربة، بل نموذج عالمي ناجح أثبت قدرته على تحقيق هدفين استراتيجيين في وقت واحد: تحسين جودة الرعاية الصحية وخفض معدلات البطالة. ومن هنا فإن إعادة توجيه هذه الكوادر نحو منظومة الرعاية المجتمعية والمنزلية يجب أن تُنظر إليها باعتبارها مشروعاً وطنياً للاستثمار في رأس المال البشري الصحي، لا مجرد برنامج توظيف مؤقت. فالدول التي نجحت في هذا المجال لم تعالج مشكلة البطالة فحسب، بل أنشأت صناعة صحية متكاملة أصبحت اليوم من أسرع القطاعات نمواً وأكثرها استدامة وربحية وتأثيراً في جودة حياة المواطنين.

الرأي الحر

الفيديو