باحث إيطالي : رينيه غينون قدّم رؤية فلسفية أعادت الاعتبار للتراث الروحي في مواجهة أزمات الحداثة
سلط الباحث الإيطالي باولو أوريتسي المختص بالشأن الصوفي، خلال المحاضرة الدولية التي نظمت بمركز اكليل بالعاصمة المغربية الرباط، الضوء على المكانة الفكرية للمفكر الفرنسي رينيه غينون، مؤكدًا أن مشروعه الفكري مثّل محاولة لإعادة الاعتبار للتراث الروحي والميتافيزيقي في مواجهة التحولات التي فرضتها الحداثة الغربية، وذلك خلال دراسة تناولت فلسفته وعلاقتها بمفهوم "التقليد الأصيل" أو ما وصفه بـ"الدين القيم".
وأوضح أوريتسي أن شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبدالحليم محمود أولى اهتمامًا كبيرًا بأعمال رينيه غينون، معتبرًا أن أفكاره لم تكن مجرد اجتهادات فلسفية، وإنما عبّرت عن حقائق روحية تتوافق مع التراث الإسلامي، وهو ما دفعه إلى إدراج غينون ضمن حديثه عن المدرسة الشاذلية في أحد أبرز مؤلفاته، تقديرًا لدوره في الدفاع عن القيم الروحية في العصر الحديث.
وأشار الباحث إلى أن غينون لم يقدم نفسه باعتباره صاحب فلسفة جديدة، بل سعى إلى إبراز ما اعتبره المبادئ المشتركة التي تجمع التقاليد الدينية والحضارية الكبرى، مؤكدًا أن الحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها باختلاف الأزمنة والشعوب والثقافات.
وأضاف أن المفكر الفرنسي رأى أن الإسلام حافظ على منظومة متكاملة تجمع بين العقيدة والشريعة والتزكية الروحية، وهو ما جعله يعتبره أحد النماذج الحية لاستمرار التراث الديني الأصيل، مشيرًا إلى أن اهتمام غينون بالتصوف الإسلامي لم يكن أمرًا عابرًا، بل شكّل محورًا رئيسيًا في مشروعه الفكري ودراساته المقارنة.
وتناولت الدراسة مفهوم "التقليد الأول" أو "التقليد الأصيل"، الذي اعتبره غينون الحقيقة المشتركة التي انطلقت منها جميع الرسالات السماوية، موضحة أن الباحث ربط هذا المفهوم بعدد من المبادئ القرآنية، من بينها مفهوم "الدين القيم"، والفطرة، ووحدة رسالة الأنبياء، باعتبارها تعبيرًا عن الأصل الواحد للوحي الإلهي.
وأكد أوريتسي أن غينون انتقد الحضارة الحديثة بسبب تركيزها على الجانب المادي وإهمال البعد الروحي، معتبرًا أن الأزمات المعاصرة لا تعود إلى أسباب اقتصادية أو سياسية فقط، وإنما إلى أزمة أعمق تتمثل في فقدان الإنسان ارتباطه بالمبادئ والقيم الميتافيزيقية التي تمنحه المعنى والاتزان.
كما استعرضت الدراسة رؤية غينون للإنسان باعتباره قادرًا على الارتقاء عبر المعرفة الروحية، موضحة أن الرموز والشعائر الدينية ليست مجرد طقوس شكلية، وإنما تحمل دلالات عميقة تعكس علاقة الإنسان بخالقه، وتُسهم في تهذيب النفس وإعادة توجيهها نحو القيم العليا.
وفي ختام الدراسة، أكد الباحث الإيطالي أن فكر رينيه غينون لا يدعو إلى تأسيس مذهب جديد، بل يهدف إلى إعادة الإنسان إلى الجذور الروحية المشتركة التي قامت عليها الرسالات السماوية، مشيرًا إلى أن هذا الفكر يمكن أن يسهم في تعزيز الحوار الحضاري وإحياء الاهتمام بالقيم الدينية الأصيلة في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.







































