الأمن القومي فوق الخلافات: هل تفرض ”ضرورات الجغرافيا” تنسيقاً مصرياً سورياً لكبح جماح إسرائيل؟ كتب أشرف كمال
تشهد المنطقة العربية حراكاً ديبلوماسياً وأمنياً معقداً، يضع صانع القرار في القاهرة أمام معادلة بالغة الحساسية؛ فبين موروث من التوترات السياسية والمواقف الأيديولوجية المتباينة، وبين نداء "الأمن القومي العربي" الذي لا يقبل القسمة على اثنين، تبرز ملامح مرحلة جديدة من التنسيق تفرضها الميدانيات العسكرية والتهديدات الوجودية.
مربط الفرس: الجغرافيا السياسية تتحدى الأيديولوجيا
رغم التحفظات المصرية العميقة تجاه بعض التوجهات السياسية في دمشق، وما تردد عن محاولات طمس رموز عروبية مشتركة -مثل جمال عبد الناصر والشهيد عبد المنعم رياض- من الذاكرة البصرية للشوارع السورية، إلا أن القاهرة تدرك أن "الدولة" السورية تظل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي. إن التوغل الإسرائيلي الذي بات يهدد مشارف دمشق لا يمثل تهديداً لسورية فحسب، بل هو طعنة في خاصرة الأمن القومي العربي، وهو ما لن تسمح به القيادة المصرية التي ترى في وحدة الأراضي السورية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
كبح الجماح: تنسيق الضرورة القصوى
المعادلة الصعبة التي تتبلور الآن تشير إلى وجود تنسيق صامت، ولكنه فعال، يهدف إلى "كبح جماح" الطموحات الإسرائيلية. القاهرة، بخبرتها العسكرية والسياسية، تسعى لخلق توازن يمنع استغلال حالة الضعف الراهنة في الداخل السوري لفرض واقع جيوستراتيجي جديد لصالح الاحتلال. هذا التنسيق يتجاوز شخوص الحكم ليركز على بقاء مؤسسات الدولة والجيش السوري، كونه الضمانة الوحيدة لمنع تحول سورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية أو التوغل الإسرائيلي المستدام.
إعادة الإعمار والطاقة: "القوة الناعمة" كأداة للسيادة
لا يقتصر التحرك المصري على الشق الأمني البحت، بل يمتد ليشمل ملفات "الحياة اليومية" التي تمنح الدولة السورية قدرة على الصمود. الحديث المتصاعد عن مشروعات الطاقة المشتركة ودخول الشركات المصرية العملاقة في ملف إعادة الإعمار، ليس مجرد صفقات تجارية، بل هو إعلان صريح عن عودة الدور العربي الفاعل. هذه الخطوات تهدف إلى قطع الطريق أمام القوى الإقليمية الأخرى التي تسعى لترسيخ نفوذها عبر البوابات الاقتصادية، مما يعزز من استقلالية القرار السوري في مواجهة الضغوط الخارجية.
آفاق المستقبل: أين تتجه البوصلة؟
يسأل الشارع العربي والسوري اليوم: كيف ستسير الأمور؟ المؤشرات تؤكد أن الأيام المقبلة ستشهد "واقعية سياسية" تتجاوز التهكمات والاشتباكات الكلامية الماضية. الأمن القومي العربي له "القدح المعلى"، وهذا المبدأ هو الذي سيوجه البوصلة. من المتوقع أن نشهد تكثيفاً في قنوات الاتصال الأمني المصري السوري، ليس دفاعاً عن نظام بعينه، بل تحصيناً لدمشق من السقوط في فخ التفكك أو الهيمنة الإسرائيلية الكاملة، فالتاريخ علمنا أن سقوط القلاع يبدأ من الداخل، والقاهرة مصممة على ترميم هذه القلاع قبل فوات الأوان.



































