في ذكرى ميلاد الشيخ السلطان الكسنزان وتجديد العهد بين الإنسان وربّه ...بقلم نوري جاسم
ليست الذكرى في ميزان العارفين تاريخًا يُستعاد، بل حالًا يُستأنف، ونفحةً تُجدد في القلب معنى السير إلى الله. وفي ذكرى ميلاد السيد الشيخ السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان الحسيني، قدست أسراره (1938–2020)، نقف لا عند حدود السيرة، بل عند أفق التجربة؛ لا عند الوقائع، بل عند ما أحدثته من تحولٍ في باطن الإنسان ومسار الروح. هنا لا يُقرأ الرجل بوصفه اسمًا في التاريخ، بل بوصفه معنىً ممتدًا، وسرًا فاعلًا، وتجليًا من تجليات العناية الإلهية في زمنٍ أحوج ما يكون إلى من يردّ الإنسان إلى نفسه، ثم إلى ربّه. ولقد جاء الشيخ السلطان في زمنٍ تداخلت فيه الظلمات: ظلمة المادة حين استبدّت بالإنسان، وظلمة الفكر حين انقطع عن نوره، وظلمة الروح حين جفّ معينها. فكان حضوره بمثابة نداءٍ عميق: أن عودوا إلى الأصل، إلى القلب، إلى ذلك الموضع الذي لا يسكنه إلا الله. لم يقدّم التصوف بوصفه طقسًا، بل باعتباره علمَ حياة؛ ولم يعرضه كتراثٍ يُحفظ، بل حقيقةٍ تُعاش. ومن هنا ابتدأ مشروعه الكبير: إعادة بناء الإنسان من الداخل، لا عبر خطابٍ وعظيٍّ عابر، بل عبر تربيةٍ ذوقيةٍ عميقة، تُعيد ترتيب العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين المرء والعالم من حوله.
وفي قراءةٍ أكثر عمقًا لمشروعه، يتضح أنه لم يكن مجددًا في الوسائل فحسب، بل في الرؤية أيضًا؛ إذ نقل التصوف من حالة الانكفاء إلى حالة الحضور، ومن دائرة الخاصة إلى أفق الإنسانية. لقد أعاد الاعتبار للصحبة باعتبارها جسرًا حيًا لنقل النور، وأحيا الخلوة لا كعزلةٍ عن العالم، بل كتهيئةٍ للعودة إليه بروحٍ أنقى. وربط بين الذكر والعمل، بين الحال والمآل، بين الإيمان والحياة، حتى غدا المريد في مدرسته مشروع إنسانٍ متكامل، لا يهرب من الواقع، بل يسمو به. وكانت حكمه تتدفق من معين التجربة، لا من محفوظ القول، فيقول: “إذا لم يثمر ذكرك خلقًا، فراجع قلبك قبل لسانك”، ويشير إلى سر الطريق بقوله: “القرب من الله ليس مسافة، بل صفاء”، ويختصر الرحلة كلها بقوله: “ابدأ بإصلاح نفسك، تجد العالم يتغير في عينيك”. في هذه الكلمات يتجلى منهجه: لا تعقيد في العبارة، ولا غموض في الإشارة، بل وضوحٌ يشبه النور، وعمقٌ يشبه البحر.
لقد قاد الشيخ السلطان واحدة من أوسع حركات التجديد الروحي في العصر الحديث، لا بالصخب، بل بالتحول الصامت في القلوب، ولا بالشعارات، بل بصناعة الإنسان. فانتشرت مدرسته في آفاق متعددة، حاملةً رسالة الحب والإرشاد، ومؤكدة أن الطريق إلى الله لا يُغلق في وجه أحد، وأن الرحمة أوسع من كل الاختلافات. وفي زمنٍ تصاعدت فيه خطابات القسوة والانقسام، جاء خطابه ليقول: إن الدين رحمة، وإن التصوف جوهره المحبة، وإن الإنسان أخو الإنسان مهما تباعدت الطرق. ولعل أعظم ما يميز مشروعه أنه لم يكن مشروعًا مرحليًا ينتهي بغياب صاحبه، بل كان تأسيسًا لوعيٍ مستمر، ومسارًا قابلًا للامتداد على يد الشيخ الحاصر السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره. ومع انتقاله إلى الرفيق الأعلى بقي حضوره فاعلًا في الأرواح، لأن ما يُبنى في القلب لا تهدمه الأيام. بقيت طريقته حيةً برجالها، وبمنهجها، وبذلك النور الذي أودعه في صدور السالكين، فصاروا شهودًا على أن الطريق ما زال مفتوحًا، وأن العهد ما زال قائمًا. إن الاحتفاء بهذه الذكرى ليس احتفالًا بماضٍ مضى، بل هو استجابة لنداءٍ ما زال يتردد في الأعماق: أن الإنسان لا يكتمل إلا إذا عرف ربّه، ولا يصفو إلا إذا أحبّ، ولا يسمو إلا إذا تحرر من نفسه. وهكذا يبقى الشيخ السلطان محمد المحمد الكسنزان الحسيني، قدست أسراره، علامةً في مسار الروح، ودليلًا على أن في كل عصرٍ رجالًا إذا حضروا ذكّروك بالله، وإذا غابوا تركوا فيك ما يقودك إليه. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ..



































