الوثيقة
التصوف بين حماية الوطن وتجديد الخطاب: قراءة في حوار القصبى ورسائل المرحلة....بقلم نوري جاسمرجل الأعمال محمد نشأت أبو فريخة يُعلن عن وفاة عمته: «دعواتكم لها بالرحمة والمغفرة»متابعة بعض المهندسين لمشاركة منتَحلة صفة مهندسة ضمن فعاليات دعاية مرشح وإفطاردكتورة دينا المصري تكتب: محتاجة تتحضنالإعلامي أشرف محمود: الحب هو الطريق الوحيد لتصل إلى الله بقلبٍ واثقالإعلامي أشرف محمود: رمضان الفرصة الذهبية لفتح صفحة جديدة مع النفس والقرآنالمنشد محمد نشأت يتألق في ليالي رمضان بالأردن وسط حضور رسمي وثقافي رفيعفوزي لقجع : ثورة هادئة تشهدها كرة القدم العالمية في عهد إنفانتينورئيس المركز تتابع التجهيزات النهائية لافتتاح معرض” اهلا رمضان ”لبيع السلع المخفضة بالمدينةمن الشكوى إلى الحل… محافظ المنيا يفتح باب الحوار مع أهالي العدوة ويوجه بالاستجابة لمطالبهمإصابة ضابط ومصرع مواطن في مشاجرة بالأسلحة النارية في أسيوط«بصمة مصرية»..طلاب إعلام القاهرة يطلقون مبادرة لتعزيز المواطنة الرقمية ودعم الهوية الوطنية
الرأي الحر

التصوف بين حماية الوطن وتجديد الخطاب: قراءة في حوار القصبى ورسائل المرحلة....بقلم نوري جاسم

د . عبد الهادي القصبي ..شيخ مشايخ الصوفية
د . عبد الهادي القصبي ..شيخ مشايخ الصوفية

في حوارٍ مهم أجراه الإعلامي الاستقصائي عمرو رشدي مع الدكتور عبدالهادي القصبى، شيخ مشايخ الطرق الصوفية ورئيس لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي بمجلس الشيوخ في مصر، طُرحت جملة من القضايا الحساسة التي تمس جوهر المرحلة: من مواجهة التطرف، إلى تجديد الخطاب الديني، مرورًا بعلاقة التصوف بالدولة، ودوره في تحصين الشباب وبناء الإنسان.


الحوار لم يكن مجرد تصريحات تقليدية، بل حمل في طياته خطابًا مزدوجًا: خطاب حماية الوطن، وخطاب حماية الروح. وهنا تكمن أهمية القراءة النقدية البصيرة؛ فالتصوف، إن أراد أن ينهض بدوره التاريخي، لا بد أن يظل وفيًا لجوهره الإحساني، وفي الوقت نفسه واعيًا لخدمة الوطن وامن الدولة الحديثة وتحدياتها.


لقد أكد القصبى أن الصوفية «مجندون خلف الرئيس» عبد الفتاح السيسي لحماية البلاد من خطر التطرف. وهذه العبارة تعكس اصطفافًا وطنيًا واضحًا، وتؤكد أن أهل التصوف يرون في استقرار الدولة ركيزة أساسية لحماية المجتمع من الفوضى الفكرية. غير أن التصوف في جوهره ليس مجرد سندٍ سياسي، بل هو ضميرٌ أخلاقيٌّ يقف دائمًا مع العدل، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الروح والسلطة، بين الذكر والعمران، بين الزاوية والمجتمع.


وحين تحدث القصبى عن أن مواجهة التطرف لا تكون بالأدوات الأمنية فقط، بل بالفكر المستنير ونشر صحيح الدين، فقد لامس لبّ القضية، فالتطرف لا يُهزم بالقوة وحدها، بل يُهزم حين يُستعاد مركز الثقل إلى القلب؛ حين يُعاد تعريف الدين بوصفه أخلاقًا قبل أن يكون شعارات، وسلوكًا قبل أن يكون صراعًا. هنا يبرز دور التصوف بوصفه مدرسة في تهذيب واصلاح النفس، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي الخطاب الدفاعي عن التصوف؟ أم أن المرحلة تقتضي خطابًا مبادرًا، نقديًا من الداخل، يعيد ترتيب البيت الصوفي، ويواجه حملات التشويه بسلوكٍ شفاف، ويعالج الأخطاء في الموالد والممارسات بجرأة إصلاحية لا تكتفي بالنفي أو التبرير؟.


التصوف في مصر المحروسة ليس طارئًا على التاريخ، بل هو أحد أعمدة تكوين الشخصية المصرية؛ من حلقات الذكر في القرى، إلى المجالس العلمية في الحواضر، إلى الوجدان الشعبي الذي صاغته قيم التسامح والمحبة. لكنه اليوم أمام اختبار مزدوج: أن يحمي المجتمع من فكر الغلو، وأن يحمي نفسه من الركود أو التسييس المفرط.
إن تجديد الخطاب الديني – كما أشار القصبى – لا يعني تغيير الثوابت، بل تقديمها بلغة عصرية. وهذه نقطة مفصلية؛ فاللغة ليست مجرد ألفاظ، بل هي جسر العبور إلى وعي الشباب. فإذا لم يخاطب التصوف أسئلة الجيل الجديد حول الهوية، والعدالة، والحرية، والعمل، فسوف يظل حبيس الدوائر التقليدية، بينما يتسلل دعاة الفتنة إلى العقول عبر فضاءات أكثر جرأة وحداثة.


ولعل أجمل ما في الحوار تأكيده على أن رمضان ليس موسم طقوس، بل موسم تربية روحية؛ انتقال من عبادة العادة إلى عبادة الشهود، هنا تتجلى مهمة التصوف الكبرى: صناعة الإنسان المتوازن، الذي يجمع بين الإحسان والإتقان، بين الذكر والعمل، بين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني، إن أهل التصوف في مصر اليوم أمام فرصة تاريخية: أن يقدموا نموذجًا عمليًا يُثبت أن الروحانية ليست انسحابًا من الواقع، بل قوة أخلاقية لإصلاحه، وأن يبرهنوا أن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن القيم، وأن دعم الدولة لا يلغي دور النصيحة الصادقة، وأن الانحياز للاستقرار لا يعني الصمت عن الإصلاح. التصوف اليوم مدعوٌّ إلى أن يكون «حصنًا منيعًا» كما قيل، لكن الحصون لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالوعي، وبالعمل الميداني، وبالشفافية، وبالاقتراب من الناس لا الاكتفاء بالمنابر، من أسوان إلى الإسكندرية، ومن الزوايا إلى الجامعات، يحتاج التصوف إلى خطابٍ يُشعل الهمة، ويستنهض القلوب، ويعيد تعريف دوره في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات المتشددة. وعليه أن يكون مدرسةً كبرى لبناء الإنسان، بالصوت والأدب العالي. إنها لحظة مراجعة وبناء في آنٍ واحد. لحظة يحتاج فيها أهل التصوف أن يتقدموا بثقة، وأن يجمعوا بين الأصالة والتجديد، بين الثبات والحركة، بين المحبة والحزم، فمصر، بتاريخها وروحها، تستحق تصوفًا في مستوى رسالتها… تصوفًا يحمي الوطن بالفكر، ويحصن الشباب بالقيم، ويجدد الخطاب بلغة العصر، ويبقى وفيًا لجوهره الإحسان...

حوار القصبي تحليل الباحث نوري جاسم الوثيقة

الرأي الحر