دكتورة دينا المصري تكتب: الحكمة المتأخرة
أحيانًا… أكبر رحمة من الله تأتيك في صورة “خذلان”.
يوسف عليه السلام أُلقي في البئر…
وكان المشهد يبدو ظلمًا كاملًا.
لكن لو لم يدخل البئر…
لما وصل إلى القصر.
ولو لم يُظلم…
لما أصبح عزيز مصر.
بعض الطرق المؤلمة…
ليست نهايتك، بل طريق نجاتك الذي لا تفهمه الآن.
نحن لا نتألم دائمًا لأننا خسرنا أشخاصًا…
بل لأننا علّقنا قلوبنا بهم أكثر مما ينبغي.
وهنا يبدأ الابتلاء الحقيقي.
حين يصبح شخص واحد قادرًا على سلب طمأنينتك…
فالمشكلة ليست في رحيله فقط،
بل في المساحة التي أخذها داخل قلبك.
ولهذا قال ابن القيم:
“ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله.”
أحيانًا يأتي الخذلان ليعيد ترتيب قلبك…
لا ليكسر حياتك.
تتعلق بشخص…
فتغفل عن الله.
تتشبث بسبب…
وتنسى مسبب الأسباب.
ثم يحدث الانكسار.
فتنهار الصورة التي كنت تدافع عنها…
وتنكشف الحقائق التي كنت تؤجل رؤيتها خوفًا من الفقد.
وهنا تبدأ الحكمة المتأخرة.
تتذكر قول الله:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
الآية التي كنا نقرأها كثيرًا…
لكننا لا نفهم عمقها إلا بعد الألم.
حتى موسى عليه السلام…
اعترض على خرق السفينة وقتل الغلام.
وكان يرى الأحداث “شرًا”.
ثم اكتشف لاحقًا أن وراء الألم رحمة،
ووراء المنع حماية،
ووراء التصرف الذي لم يفهمه… حكمة إلهية كاملة.
وهذا ما يحدث لنا غالبًا.
نحزن لأن بابًا أُغلق…
بينما الله يرى ما خلف الباب ونحن لا نرى.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“ما أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت، على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره.”
النضج الحقيقي لا يأتي من الكتب فقط…
بل من الألم الذي غيّر نظرتك للحياة.
من المواقف التي كسرت تعلقك بالبشر…
وأعادتك إلى الله.
التعافي لا يبدأ عندما يعود من خذلك…
بل عندما يعود قلبك إلى ربّه.
عندما تدرك أن الطمأنينة لا تُبنى على بشر متقلبين…
بل على علاقتك بالله.
وأن بعض الخسارات…
كانت رحمة متنكرة في هيئة وجع.
بعض الخذلان لم يكن نهاية قصتك…
بل كان الطريقة التي أنقذك الله بها من نفسك.
الكاتبة والمحررة الإعلامية الدكتورة دينا المصري



































