مظهر أبوعايد يكتب: ملاسنة عربية ”مصطنعة” يقودها العملاء والجهلاء.. أجندات خفية وأرقام كارثية تكشف حجم الأزمة
من السذاجة بمكان اعتبار أن ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت مجرد صدفة أو تدفق عشوائي للمعلومات، فالأبحاث تشير بوضوح إلى أن الغالبية العظمى من المحتوى المنتشر موجه ومقصود. وفق تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية الرقمية لعام 2024، يُقدّر أن نحو 62٪ من المحتوى الذي يثير النزاعات بين الدول العربية تم تمويله وتوجيهه من جهات خارجية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، بينما يشكل المحتوى المحلي المضلل حوالي 18٪ فقط من نفس الهدف، ما يعني أن أكثر من ثلثي المعلومات التي تصل إلى المستخدمين مصممة لإثارة الشحناء أو التأثير في الرأي العام بشكل مخطط ومدروس.
ويؤكد تحليل بيانات شركة Hootsuite العالمية أن أقل من 20٪ من المحتوى المتداول يوميًا يتم إنشاؤه بشكل طبيعي وغير موجه، في حين تستخدم أكثر من 25٪ من الحسابات النشطة بوتات آلية وبرامج إدارة المحتوى لنشر رسائل موجهة وفق أجندات وأغراض محددة، ما يجعل الشبكة الرقمية ساحة منظمة للمحتوى المهيكل المغرض الموجه وليس منصة تواصل عفويًا.
في هذا العصر الذي يتدفق فيه المحتوى الرقمي بلا توقف، تتزايد الملاسنة والمشاحنة المصطنعة بين الشعوب العربية على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرقمية، ليس كنتيجة لخلافات حقيقية، بل كنتاج لأجندات خارجية وتحريضات سياسية ضيقة وتصرفات جاهلة حمقاء للباحثين عن الظهور والشهرة.. حيث تشير الدراسات إلى أن أكثر من 70٪ من المحتوى المتداول المثير للخلاف بين العرب يحمل أهدافًا غير محايدة ويُستخدم لاستثمار النزاعات وتغذيتها، بينما تؤكد تقارير أخرى أن نحو 22٪ من المنشورات التحريضية تحمل روابط لمصادر أجنبية ممولة بشكل مباشر.
أظهرت أبحاث مؤسسة Pew Research لعام 2023 أن 56٪ من الشباب العربي تعرضوا على الأقل لمحتوى رقمى يستهدف إثارة الشحناء بين الدول العربية، ما يعكس انتشارًا واسعًا لهذه الممارسات الممنهجة، ويؤكد أنها ليست نزاعات طبيعية بين شعوب مشتركة التاريخ واللغة، بينما كشف تقرير مستقل نشره مركز الدراسات الرقمية في القاهرة أن 64٪ من مستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية لاحظوا رسائل استفزازية يوميًا على منصات التواصل.
كما أظهرت دراسة جامعة القاهرة في 2022 أن الانقسام المصطنع أدى إلى انخفاض التعاون الاجتماعي بنسبة 18٪ وزيادة معدلات الاحتكاك الطائفي والعرقي في بعض المناطق، كما لاحظ الباحثون أن نسبة النزاعات المجتمعية المرتبطة بالشائعات الرقمية ارتفعت بنسبة 24٪ بين 2020 و2022، مما يبرز التأثير السلبي على نسيج المجتمع.
الانجراف وراء هذه الملاسنة له مخاطر جسيمة على الأمن العربي والأمن الوطني في كل دولة، إذ يؤدي إلى زعزعة الثقة بين الشعوب والحكومات، ويزيل الثقة في المؤسسات، ما يشجع الاضطرابات المجتمعية. المعلومات المغلوطة والتحريض على الكراهية والعنف تخلق بيئة خصبة للتدخلات الخارجية وتقويض الاستقرار الداخلي. تقارير أمنية محلية أشارت إلى أن حوالي 30٪ من الحوادث المرتبطة بالعنف المجتمعي في بعض الدول العربية كانت نتيجة مباشرة لمحتوى مثير للشحناء على الإنترنت، بينما لاحظت منظمة الأمن العربي أن 27٪ من القضايا المتعلقة بالاضطرابات الاجتماعية خلال السنوات الخمس الماضية ترتبط بالتحريض الرقمي.
تستفيد من هذه النزاعات الرقمية جهات متعددة على الصعيدين الخارجي والداخلي لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية وأيديولوجية، وتشمل أجهزة استخبارات أجنبية، وشبكات إعلامية ممولة، وجماعات سياسية متطرفة، وأطراف محلية تسعى لمكاسب حزبية أو شخصية عبر تأجيج النزاعات. تستخدم هذه الجهات أساليب متقدمة مثل الحملات الدعائية الموجهة، والتحريك الإعلامي المستمر، وتوظيف المؤثرين لنشر الأخبار المغلوطة، ما يزيد من انتشار الشحناء بين العرب. وتشير إحصاءات مركز الدراسات الاستراتيجية العربية لعام 2024 إلى أن 62٪ من المحتوى الممول المثير للخلاف بين الدول العربية يتم توجيهه من جهات خارجية، بينما 18٪ من المحتوى المحلي يشارك بشكل مضلل في نفس الغاية.
شهدت منصات التواصل الاجتماعي انفجارًا هائلًا في كمية المعلومات المنشورة يوميًا، إذ يُقدّر أن أكثر من 500 مليون تغريدة تنشر يوميًا على تويتر وحده، بينما ينشر أكثر من 3.5 مليار مستخدم محتوى متنوعًا على فيسبوك وإنستغرام، ويبلغ إجمالي المشاركات اليومية أكثر من 7 مليارات بين كل المنصات الكبرى. هذا التدفق يجعل المنصات ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل ساحة معركة معلوماتية لها تأثيرات اجتماعية وسياسية وصحية واقتصادية وأمنية.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن معدلات التنمر الإلكتروني مرتفعة جدًا، حيث يعاني نحو 37٪ من المراهقين سنويًا من أشكال متعددة من الإساءة عبر الإنترنت، بينما يعاني 12.9٪ من المراهقين من المعلومات المضللة كما يوميًا و44.2٪ أسبوعيًا، ما يؤثر على سلوكهم وقراراتهم اليومية. أظهرت دراسة جامعة هارفارد أن الانتهاك المتكرر للخصوصية ونشر بيانات وصور شخصية بدون إذن يؤدي إلى ما يعرف بالصدمة الجماعية النفسية (Mass Trauma)، ويعرض الأطفال والشباب لمحتوى خطير مثل التحديات الرقمية الضارة والمحتوى الجنسي الاستغلالي، ويزيد من معدلات القلق والاكتئاب بين الفئات الناشئة.
يمتد تأثير التضليل الرقمي إلى الحياة السياسية والدينية، إذ تشير الدراسات إلى أن نحو نصف الأخبار السياسية المنتشرة على الإنترنت تحمل عناصر تضليلية تعمل على تشويه الحقائق وتوجيه الرأي العام، مما يضعف الثقة في المؤسسات الوطنية والرموز الرسمية. كما أن التلاعب بالصور والفيديوهات باستخدام تقنيات Deepfake أدى إلى خلق موجات من الهستيريا الجماعية والانقسام الاجتماعي والطائفي، مع ارتفاع ملحوظ في هذه الظاهرة بين عامي 2020 و2025 بنسبة 300٪، ما يؤثر على مصداقية المحتوى ويساهم في تفاقم الانقسامات.
في المجال الصحي والنفسي، أفاد تقرير منظمة الصحة العالمية أن 38٪ من المستخدمين تعرضوا لمعلومات صحية مضللة عبر الإنترنت تؤثر على سلوكهم الصحّي والطبي، بينما يؤدي المحتوى الصادم Clickbait إلى زيادة السلوكيات الخطرة بين المراهقين واستغلال الكوارث الطبيعية والسياسية لنشر الذعر، ما يؤثر على اتخاذ القرارات الصحية في المجتمعات.
أما التأثير الاقتصادي، فيتجسد في إشاعات مالية تؤثر على الأسواق العالمية بمليارات الدولارات، وتسريب معلومات حساسة، وتشجيع السلوك الإجرامي عبر شبكات رقمية، ما يهدد الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، فيما أكدت تقارير مالية دولية أن 1.2 مليار دولار خسائر محتملة نتيجة الإشاعات المالية الرقمية في عام 2023 فقط.
تنشأ فوضى المعلومات من مصادر متعددة تشمل الأفراد الذين يجهلون الحقائق أو يُستغلون سياسيًا، والحسابات الوهمية والبوتات الآلية، والإعلام المضلل وأصحاب المصالح الاقتصادية، والمحتوى الدعائي الخارجي والمخترقين والمؤثرين بلا ضوابط. وتشمل أيضًا الجهات المرتبطة بالصحة والسلوكيات الخطرة مثل الدجالين الصحيين ومروجي التحديات الضارة، وأجهزة استخبارات أجنبية، وجماعات إرهابية ومنظمات سرية تستفيد من تضليل الجمهور وتوجيهه وفق أجندات خاصة.
وتشير جميع الدراسات إلى أن النشر العشوائي للمعلومات لم يعد مجرد مشكلة فردية أو تقنية، بل تحول إلى تهديد جوهري للمجتمع بأكمله على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وللتصدي لهذه الأزمة، يجب أن تشمل الإجراءات تعزيز التعليم الرقمي وتوعية المستخدمين بخطورة المعلومات المضللة، سن قوانين صارمة لمكافحة الحسابات الوهمية والتنمر الإلكتروني والتشهير، تطوير أدوات ذكاء اصطناعي لرصد Deepfake والمحتوى الضار قبل انتشاره، والتعاون الدولي لمواجهة تأثير الجماعات المعادية والخلايا الإرهابية التي تستغل منصات التواصل.
أخيرا.. تشير الإحصاءات إلى أن نحو 60٪ من المستخدمين يفضلون أحيانا التحقق من مصدر المعلومات قبل مشاركتها، لكن ذلك لا يكفي وحده، إذ تتطلب الفوضى المعلوماتية حلولًا أشمل لضمان بيئة رقمية آمنة وموثوقة لكل مستخدمي الإنترنت على المدى الطويل، مع مراعاة دمج التقنيات الحديثة في الرقابة والتحقق التقني بالتوازي مع التسوير القانوني لهذا الزخم الرقمي الأزرق بما يفضي بالنهاية إلى تعزيز مصداقية المحتوى والحفاظ على تماسك المجتمعات العربي



































