الوثيقة
أسامة جمعة: استضافة اجتماع مجموعة العشرين الرسمي بالقاهرة رسالة قوة تؤكد للعالم دور مصر واستقرارهاصناعة البرلمان: استضافة مصر اجتماع مجموعة العشرين لأول مرة سابقة تاريخية تعكس الاستقرار الاقتصاديخالد إبراهيم عبدالنبي بطل كأس مصر في الجمباز تحت 7 سنواتريهام مصطفى: لا مكان للأسود في عروض السيرك بعد الآنرئيس حزب الاتحاد: مصر فضحت التعنت الإسرائيلي أمام وفد الكونجرس خلال زيارته لمعبر رفحاستشاري تحول رقمي: الصحة الرقمية نقلة نوعية في حياة المواطن المصريأمين تنظيم الجيل: مصر حريصة على إطلاع العالم على حقيقة الموقف في رفح وآخرها زيارة وفد الكونرجسحسام مرسي: الدولة المصرية تقوم بجهود جبارة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ولتخفيف المعاناة عن الأشقاءأبرزها الفحص الوراثي للأجنة.. 6 توصيات لمنتدى الدلتا الخامس للخصوبةبحضور نجوم الفن والرياضة.. إيهاب توفيق يشعل الساحل الشمالي بحفل كامل العددمالك السعيد المحامي يكتب: البلوك تشين والعقود الذكية.. تطور ”المحاماة” من الأوراق القانونية إلى الامتثال الرقمي والأكوادمرشد: الاعتداء على السفارات المصرية اليائسة تخدم أجندات خبيثة تقف ورائها جماعة الإخوان
الرأي الحر

مالك السعيد المحامي يكتب: البلوك تشين والعقود الذكية.. تطور ”المحاماة” من الأوراق القانونية إلى الامتثال الرقمي والأكواد

مالك السعيد المحامي
مالك السعيد المحامي


لم يكن أحد يتخيّل قبل سنوات قليلة أن تتحول العقود القانونية الورقية إلى برامج رقمية تنفَّذ تلقائيًا كعقود ذكيّة" قلبت المفاهيم التقليدية في مهنة المحاماة، إذ أصبح الأمر واقعاً معاشاً؛ فشبكة إيثريوم وحدها شهدت حتى عام 2025 أكثر من 80 مليون عقد ذكي، بينما تجاوزت قيمة التمويل اللامركزي 150 مليار دولار في أغسطس من العام نفسه. ومع هذه الأرقام يظهر السؤال: كيف سيتكيّف المحامي مع عالم تُكتب فيه الالتزامات وتُنفّذ بكود برمجي، ويُثبت فيه الوفاء أو الإخلال مباشرة على سلسلة البلوك تشين بدلًا من ملفات المحاكم؟!.
هذا التحول التقني الرهيب تصاحبه فرص تلاعب بفضل الأتمتة، ويخلق مخاطر جديدة، مما يفرض على المحامي امتلاك خبرة مزدوجة: قانونية وتقنية معًا. فالتعاملات على الشبكات الرقمية معقّدة ومتشابكة. ففي 2024 كان متوسط العقود المتداخلة في معاملة واحدة أربعة عقود، وقرابة 4% من المعاملات تضم أكثر من عشرة عقود. أي خطأ صغير في أحدها قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة. تقارير الجرائم الرقمية كشفت عن خسائر بلغت 1.9 مليار دولار عام 2024 بسبب الاختراقات والاحتيالات، ورغم انخفاض المبالغ المسروقة في النصف الأول من 2025 إلا أن المخاطر ما زالت قائمة، ليس فقط بين أطراف العقد، بل أيضًا بسبب ثغرات الكود أو الاعتماد على أنظمة خارجية مثل "الأوراكل" أو التحديثات غير المنضبطة. لذلك أصبحت صياغة العقد الذكي عملية متعددة المراحل: توصيف قانوني دقيق، نمذجة حالات، اختبارات ضغط، سياسات ترقية، آليات إطفاء آمن، ومسارات تسوية نزاعات سواء على السلسلة أو خارجها.
في أوروبا يتقدم الإطار التشريعي بسرعة، ويجعل دور المحامي قريبًا من دور مهندس الأمان. فقد بدأ تطبيق "ميكا" عامي 2024 و2025 لوضع قواعد موحدة لمقدمي خدمات الأصول المشفرة والعملات المستقرة. كما يدخل "قانون البيانات" في 12 سبتمبر 2025 متضمنًا اشتراطات مثل "مفتاح الإنهاء الآمن" وضوابط الضمانات التلقائية. الاتحاد الأوروبي أطلق كذلك "النظام التجريبي" للبنى التحتية القائمة على DLT منذ مارس 2023، ما يتيح إصدار صكوك وأوراق مالية على البلوك تشين تحت رقابة منظمة. النتيجة أن المحامي الأوروبي صار مطالبًا بالتأكد من وجود مفاتيح إيقاف، صلاحيات متعددة، وسجلات تدقيق برمجية، قبل مراجعة النصوص القانونية.
في الولايات المتحدة تسير القوانين على مستويين: الولايات والقانون الموحّد. بعض الولايات اعترفت مبكرًا بقابلية إنفاذ العقود الذكية والتوقيعات الرقمية، ثم جاءت تعديلات 2022 على القانون التجاري الموحّد (UCC) بإضافة المادة 12 حول "السجلات الإلكترونية القابلة للسيطرة". وحتى مارس 2025 كانت 24 ولاية إضافة إلى واشنطن العاصمة قد اعتمدت هذه التعديلات، مما يسهّل إثبات السيطرة والضمانات على الأصول الرقمية. كما ظهرت أطر للاعتراف بالمنظمات اللامركزية (DAO)، وأكدت ولايات مثل أريزونا وتينيسي على حجية السجلات الرقمية، ما يُلزم المحامي الأمريكي باختيار الاختصاص القضائي المناسب وصياغة بنود تحكيم ملائمة لطبيعة الأصل الرقمي.
أما في المملكة المتحدة فقد أكد بيان "فريق الاختصاص القضائي" عام 2019 أن الأصول المشفرة تعد ملكية، وأن العقود الذكية عقود نافذة. ثم جاءت قواعد "حل المنازعات الرقمية" عام 2021 لتسمح بآليات تحكيم سريعة يمكن تنفيذها برمجيًا، وأُقرّ "قانون المستندات التجارية الإلكترونية" عام 2023 الذي أعطى حجية قانونية للمستندات الرقمية. وبالتالي أصبحت مهمة المحامي هناك تشمل اختيار قواعد التحكيم القابلة للتنفيذ على السلسلة، وكيفية إصدار أوامر قضائية تنفذ برمجيًا، مع التوازن بين لامركزية النظام وإمكانية التعديل والإيقاف.
في العالم العربي الصورة متفاوتة لكنها تتقدم خصوصًا في المراكز المالية. ففي مارس 2024 أصدر مركز دبي المالي العالمي "قانون الأصول الرقمية" الذي يعالج قضايا الملكية والضمان والحيازة للأصول المرمزة. وفي أبوظبي أطلق "سوق أبوظبي العالمي" منذ 2023 لوائح لمؤسسات DLT وأطر للمنظمات اللامركزية، بينما منحت "هيئة تنظيم الأصول الافتراضية" في دبي حتى نوفمبر 2024 عدد 29 ترخيصًا فعليًا لشركات عاملة في السوق. كما أنشأت محاكم مركز دبي المالي العالمي أقسامًا خاصة بالقضايا الرقمية. في المقابل، ما زالت دول كبرى مثل مصر تأخذ موقفًا حذرًا؛ فبينما يعترف قانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 بالمعاملات الرقمية، فإن قانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020 يحظر تداول العملات المشفرة دون ترخيص، ولم تصدر تشريعات واضحة للعقود الذكية بعد. لذا على المحامي المصري التوفيق بين صحة الشكل الإلكتروني ومشروعية محل الالتزام عند التعامل مع الأصول المرمزة أو المدفوعات الرقمية.
هذا الواقع يفرض على المحامي المصري أجندة جديدة تتجاوز التفسير اللفظي لبنود مثل "القوة القاهرة" أو "الإخلال الجوهري"، ليصوغها برمجيًا عبر شروط تشغيل أو إيقاف، قنوات أوراكل بديلة، صلاحيات متعددة، وآليات إطفاء آمن لا تفرغ العقد من مضمونه ولا تتعارض مع القوانين الدولية. كما صار لزامًا تصميم مسارات للتحكيم قابلة للتفعيل على البلوك تشين أو أوامر قضائية تنفذ برمجيًا، مع إدراك دقيق لفروق الاختصاص والقوانين المطبقة. وبما أن العقود الذكية في المعاملة الواحدة أصبحت معقدة ومترابطة، فإن ضمان الجودة القانونية لم يعد مجرد خطوة سريعة، بل عملية مستمرة تشمل مراجعات أمنية مستقلة، اختبارات قبل النشر، مراقبة بعد التنفيذ، وخطط طوارئ مكتوبة ومبرمجة في نفس الوقت. فالعقد هنا ليس ورقة توقع، بل برنامج يعمل—والمحامي المتميز هو من يجمع بين المنطق القانوني والمنطق البرمجي.
الأولويات تختلف بين الدول: في أوروبا تتركز على "السلامة والإيقاف الآمن"، في الولايات المتحدة على "إثبات السيطرة والملكية الرقمية" وفق المادة 12 من UCC، وفي المراكز العربية الرائدة على "أطر تنظيمية وتراخيص ومسارات قضائية متخصصة" كما في دبي وأبوظبي، أما في مصر والدول الحذرة فالأولوية للتوفيق بين الشكل الإلكتروني والمشروعية القانونية إلى حين صدور قوانين خاصة بالعقود الذكية. لكن الحقيقة الواضحة هي أن المحامي لن يُستبدل بعقد ذكي، بل سيُستبدل بمحامٍ يفهم كيف يُصمَّم عقد ذكي آمن وعادل وقابل للتنفيذ - وهذا هو التحول الجذري في المهنة.
وأخيرًا.. لم يعد المحامي مجرد صائغ نصوص قانونية ورقية، بل صار مطالبًا بفهم لغة الكود وهندسة الأنظمة القانونية الرقمية. للتكيّف مع هذا التحول يحتاج المحامي المصري إلى تطوير أدواته في اتجاهين: تعميق خبرته القانونية التقليدية من جهة، واكتساب معرفة تقنية عملية في العقود الذكية وشبكات البلوكتشين من جهة أخرى. لذلك يصبح التدريب ضرورة ملحّة، عبر برامج متخصصة في الجامعات وكليات الحقوق والنقابة العامة، وبالتعاون مع جهات مثل البنك المركزي وهيئة سوق المال. كما يجب على المحامي إتقان أدوات الامتثال الرقمي وإدارة المخاطر، مثل سياسات "مفتاح الإطفاء"، وشروط التحكيم القابلة للتنفيذ على السلاسل، ومراجعة الكود أمنيًا. بذلك يتحول دور المحامي من حافظ للنصوص إلى مهندس للثقة الرقمية القانونية.

الرأي الحر