الوثيقة
”ثقافة الكرد وكرديّة الثقافة”...بقلم الباحث مشتاق هيلانبيان عاجل للإفراج الفوري عن سيارات ذوي الإعاقة المحتجزة بالموانئرئيس المركز فى حملة مكبرة لترخيص المحلات التجارية والاعلانات ورفع اشغالات الطريق ببنى مزارفاتن فتحي تكتب: الطفولة والإبداع.. رؤية وطنية لتكاتف منظمات المجتمع المدني لتحويل مواهب وإبداع الطفولة إلى إنجاز دائمرمضان صبحى يقترب من العودة للملاعب.. محامى اللاعب يكشف التفاصيلالشناوي يقود الأهلى.. ييس توروب يعلن قائمة فريقه لمواجهة وادى دجلةبعد أنباء اهتمامهم بديانج.. فالنسيا يضم النجم الأرجنتينى جيدو رودريجيز من الدورى الإنجليزىأمير هشام يفجرها: الأهلى يحسم صفقة نارية قريبًا بـ27 مليون جنيهضربة موجعة لموهبة الأهلى.. إصابة قوية لـ بلال عطية فى أول مران له مع هانوفرصدام إفريقى نارى.. موعد مباراة الأهلى ويانج إفريكانز والقناة الناقلةموهبة إفريقية جديدة.. بيراميدز يخطف باسكال فيرى قادمًا من زيسكو الزامبىالغندور يفجرها: نجم الزمالك يقترب من تجديد عقده مع النادى
الرأي الحر

”ثقافة الكرد وكرديّة الثقافة”...بقلم الباحث مشتاق هيلان

الوثيقة

ليست الثقافة زينةً لفظية، ولا ادّعاءً يُتداول في الخطب، بل هي سلوكٌ متجذّر، وذوقٌ متوارث، وأخلاقٌ تظهر عند الامتحان قبل الاحتفاء. ومن هذا المعنى العميق كانت زيارتي الميدانية إلى العشائر الكردية، زيارةَ شهودٍ لا رواة، ومعايشةٍ لا انطباعٍ عابر.

كنا وفدًا من العلماء، أصحاب العمائم وبعض الشخصيات والأفراد كُردا وعَربا من الطريقة القادرية الكسنزانية، نمثّل شيخها الحاضر حضرة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدّس الله سره، رئيس الطريقة القادرية الكسنزانية في العالم. حاملين رسالته إلى المجتمع الكردي الذي كان وفيا معه، فقد كان معقل وعرين أجداده من قبل، مثمناً جهد العشائر ودورها في رأب الصدع أينما وجد، وهي رسالة محبة وتسامح وإجلال وتقدير للعشائر الكردية، ومد جسور التواصل والمحبة والمؤازرة بينهم وبين الطريقة.

ولم تكن هذه الصفة تفصيلًا عابرًا في الزيارة، بل كانت مفتاحًا كاشفًا عن جانبٍ أصيل من ثقافة الكرد، جانبٍ قلّ نظيره عند غيرهم: تبجيل العلماء وأهل الطريقة تبجيلًا فطريًا غير متصنّع.

منذ اللحظة الأولى، لمسنا أن العلم عند الكرد ليس لقبًا، ولا العمامة عندهم زينة رأس، بل مقامٌ يُوقَّر، ورسالةٌ تُحمل، ونَسَبٌ روحي يُحترم. كان شيخ العشيرة يقف عند باب داره منتظرًا وصولنا، لا يدخل قبلنا، ولا يتقدّم علينا، ويبقى واقفًا حتى يدخل آخر واحدٍ من الوفد. مشهدٌ يختصر قرونًا من التربية الاجتماعية والروحية.

وحين نطلب منه الجلوس، لا يجلس إلا بعد إلحاحٍ وقَسَمٍ بالله، وكأنه يرى في جلوسه تقصيرًا في حق العلم وأهله. يجلس على استحياء، لا تكلّف فيه ولا تصنّع، بل خشية مقامٍ يعرف قدره. وحين نبلّغه رسالة حضرة الشيخ، رسالة مدّ الجسور، وترسيخ المحبة، والتواصل القائم على الاحترام المتبادل، يُصغي بقلبه قبل سمعه، ويستقبل الكلمات كما تُستقبل الأمانات.

وفي مجالس الحديث، لا يكتفي شيوخ العشائر بالكلام عن الحاضر، بل يفتحون خزائن الذاكرة. يروون عن آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا أجداد شيخ الطريقة المقيمين في كردستان، ويتحدثون بشهادة الموقن لا بسرد الأسطورة: عن العلم، والفضل، والدين، والكرامات الباهرة التي رأوها أو سمعوها ممن يثقون بصدقهم. شهادات تُقال بهدوء، بلا تهويل، وكأن الكرامة عندهم أمرٌ طبيعي إذا صحّ الأصل وطهرت النية، والاكثر جمالاً هو أن الكثير منهم يتكلم معنا باللغة العربية، وهذا دليل اطلاعهم الغني على لغات وثقافات غيرهم، وخصوصاً إذا انفردوا بالتخاطب بلغتهم الرسمية فإنهم يستحوا أن يروا غيرهم لا يفهم عليهم فيترجموا هم أنفسهم لنا ما لم نفهمه من حديثهم، وهذا من الأدب الجم المتعارف عندهم عملا بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الثالثِ إلا بإذنِه فإنَّ ذلك يُحزنُه)، وعند انتهاء الضيافة، حين نقدّم لشيخ العشيرة هديةً متواضعة من حضرة الشيخ، يحدث مشهد لا يُنسى: يقف الشيخ احترامًا، ويأخذ الهدية، ويضعها على رأسه تبركًا بها وبمن أرسلها، لا لقيمتها المادية، بل لمعناها الروحي. هنا تدرك أن البركة في الوجدان الكردي ليست خرافة، بل امتدادٌ لعلاقة صادقة مع الصالحين.

أما الضيافة، فهي قصة أخرى من قصص العراقة. كل عشيرة تقدّم من أجود ما عندها، وهذا الأمر لاحظناه حتى في طبقاتهم الاجتماعية المختلفة الغنية والفقيرة التي زرناها من طبقة العلماء والمثقفين والسياسيين والفنانين والعسكريين والمتميزين في المجتمع الكردي، فالكرد عندهم الكرم ليس فائض مال، بل وفاءُ خُلُق. هو واجب شرف، لا واجب مجاملة، وفي دواوينهم، وجدتُ ما يشبه دواوين العشائر العربية العريقة: مجالس عامرة بالعلم والأدب، تُحلّ فيها النزاعات، وتُطفأ الفتن، ويُحتكم فيها إلى الحكمة قبل القوة. مع اختلافٍ في الطبائع والأساليب، لكنه اختلاف تنوّع لا تضاد، وثراء لا تنافر. فالأصول واحدة، وإن تنوّعت الفروع.

وأحب أن أذكر بعض أسماء العشائر الكثيرة التي زرناها ومنها على سبيل المثال لا الحصر: عشيرة هموند، زنكنه، زند، له ك، الجاف، لور، شه ره فبه ياني،

كه لهور، شوان، الهورامية، السادة البرزنجية، السادة الجبارية، السادة البيرخضرية، خرجتُ من هذه الزيارة وأنا أكثر يقينًا بأن الكرد شعبٌ عريق وطيب الجذور، يحمل ثقافته كما يحمل اسمه، بلا ادّعاء ولا ضجيج. شعبٌ يستحق التقدير والاحترام، لا مجاملةً ولا مجازًا، بل شهادةَ حقٍّ من ميدان المعايشة، ولهذا، لم أجد أصدق من أن أقول: إنها ثقافة الكرد، لكنها في حقيقتها كرديّةُ الثقافة ذاتها.

إن ما شهدناه في مضارب العشائر الكردية لم يكن زيارة بروتوكولية، ولا مجرّد حالة ضيافة عابرة، بل كان درسًا حيًّا في معنى الثقافة حين تتحول إلى سلوك، وفي قيمة الإنسان حين يُقاس بعلمه وخلقه لا بانتمائه أو لغته. لقد رأينا كيف ما زال الاحترام للعلماء عند الكرد قيمةً مؤسسة، لا طقسًا اجتماعيًا، وكيف ما زالت الولاية والعلم والدين عناصر حيّة في الوجدان الجمعي، لا ذكريات من زمنٍ مضى.

تلك المشاهد، الممتدة من وقوف شيخ العشيرة على الباب احترامًا، إلى وضع الهدية على الرأس تبركًا، ليست تفاصيل فولكلورية، بل شواهد على حضارة أخلاقية ما زالت نابضة، وعلى مجتمعٍ يحفظ توازنه بين الأصالة والانفتاح، وبين العراقة والإنسانية. وهي في الوقت نفسه رسالة صامتة إلى زمنٍ يتآكل فيه المعنى، بأن الشعوب التي تصون قيمها الروحية قادرة على أن تصون وحدتها وكرامتها.

ومن هنا، فإن الحديث عن الكرد ليس حديثًا عن مكوّنٍ اجتماعي فحسب، بل عن تجربة ثقافية وإنسانية تستحق أن تُقرأ بإنصاف، وأن تُقدَّم بوصفها نموذجًا للتعايش، والاحترام المتبادل، وحفظ المقامات العلمية والروحية. فالكرد، كما عرفناهم في هذه الزيارة، ليسوا فقط أصحاب تاريخ، بل أصحاب رسالة أخلاقية متجددة.

ولعل أصدق ما يمكن أن يُقال في هذا المقام:أن من يعرف الكرد من مجالسهم، ومن يعرفهم من احترامهم للعلم وأهله، يدرك أن هذا الشعب العريق لا يضيف الثقافة إلى اسمه…بل يضيف اسمه إلى جوهر الثقافة ذاتها.

وأخيراً وليس آخرا أود أن أضيف إلى مقالي هذا شيئاً مميزاً عن طبيعة كردستان المتفردة في جمالها، إذ لا يمكن لمن يزور كردستان أن يفصل بين أخلاق أهلها وجمال أرضها؛ فكأن الطبيعة هناك شاركت في تربية الإنسان. الجبل شامخ بوقاره، يعلّم الصمت والرسوخ، والماء صافٍ رقراق، يعلّم الصفاء والانسياب، والهواء عليل نقيّ، كأنه دعوة دائمة للتنفس بعمق خارج ضجيج العالم. في كردستان لا تشعر أنك تزور مكانًا، بل تدخل حالة روحية؛ حيث تمتد الخضرة بلا تكلّف، وتنساب العيون والينابيع كأنها ذكرٌ صامت، وتعلو القمم كأنها محاريب طبيعية للصلاة والتأمل. هناك تدرك أن الجمال ليس مشهدًا بصريًا، بل طاقة أخلاقية تؤثر في النفوس، وتفسّر سرّ هذا الهدوء، وهذا الصفاء، وهذه الطيبة المتجذّرة في أهلها.

ثقافة الكرد كردية الثقافة مشتاق هيلان الأكراد الوثيقة

الرأي الحر