الوثيقة
الرأي الحر

محمد يسري يكتب: طبقات فحول الصحفيين

محمد يسري
محمد يسري

لو ألفت كتابًا عن تاريخ الصحافة في الـ 100سنة الماضية لجعلت عنوانه (طبقات فحول الصحفيين)، ولجعلت أدنى مرتبة فيه لتلك الحقبة، التي جاءت بعد أحداث يناير 2011م، فهذه الفترة لم تخرج (فحلا) واحدا يمكن الإشارة إليه، باعتباره شيخًا أو أستاذًا، فطبيعة المرحلة فرضت ذلك، وظهور التقنيات والمنصات الحديثة كانت العامل الأكبر لدفن أي فحل من الفحول، حتى من كانوا فحولا، قبلها ومازالوا ينتجون بيننا، لم يعد إنتاجهم كما مضى، فقد ولى زمن الفحولة والفتونة الصحفية.
تميزت المرحلة الأخيرة بعدم احترام الكبير لدرجة أنني كنت أكاد أستلقي على ظهري من الضحك حينما كنت أسمع أو أقرأ لشاب في مقتبل العشرينات من فئة محدثي النعمة وهو يتباهى بحصوله على كارنيه نقابة الصحفيين، عندما يتحدث عن أحد من شيوخ المهنة، لدرجة أني كدت أصفع أحدهم على قفاه وهو في عمر 23 سنة ويقول أمامي بلا أدب: الزميل مكرم محمد أحمد (عليه رحمة الله)، وكان عمره قد تجاوز 70 سنة وقتها... زميل مين يلا دا كان قد جدك.
بالمناسبة.. كنت أقلب في أوراقي وجدت كنوزا تجعلني أضع نفسي بلا فخر بين فحول الصحفيين خلال الـ 30 سنة الماضية- وإن لم أكن قد حظيت بشهرة مثل كثيرين من فحول هذا الجيل، وربما لا أحد يذكرني، وربما يراني الكثيرون وأرى نفسي ضمن المجاهيل، إلا أن ما وجدته من أعمال بالفعل يجعل صاحبها في هذه المنزلة، منزلة فحول الصحفيين.
ملفات عديدة، كنت رائدها بالفعل أو رائدا فيها دون أن أدري، لأني كنت أعمل منفردا بغير (شلة) ومن يعمل في الصحافة يدرك قيمة الشلة.. تعاملت مع شخصيات وقيادات في كل المجالات كنت صديقا شخصيًا لهم، وزراء، ومحافظون، ومثقفون، وشيوخ، وفنانون ونقاد، سياسيون، من اليسار ومن اليمين، من المعارضة ومن الحزب الوطني الحاكم، نجوم كبار في كل المجالات شاركت في صنع نجوميتهم حتى صاروا ملء السمع والبصر، قضايا كنت أول من فتحها وصارت تخصصات قائمة بذاتها.
تخيل مثلا: ملف الإسلام السياسي الذي أحسب عليه اليوم، لم يكن هذا الملف معروفا بشكله الحالي إلا بعد أحداث يناير 2011م، ربما كان عبارة عن جزر منعزلة، وليس تخصصا قائما بهذه الصورة، حتى الزملاء الأفاضل الذين يكتبون فيه، ربما لم يكن هو تخصصهم الوحيد، بل كانت كتاباتهم تأتي في إطار التحقيقات الصحفية أو التقارير والمقالات العادية، مازالت عندي عشرات المقالات فيه قبل أن يبلغ مبلغه.
بينما أقلب في أوراقي القديمة وجدت أكوامًا من الكتابات والمقالات الرائدة لي في الفترة ما بين 2002 إلى 2010، لكني أيضا لم أكن أتخيل أنني كنت أشارك في وضع أصول للكتابة في هذا التخصص الدقيق، كنت أظن فقط وقتها أنني أستغل ثقافتي الدينية في انتقاد الجماعات، وأستغل اتصالاتي بالكثير من قيادات العمل الديني والإسلامي في ذلك الوقت، عشرات وعشرات من المقالات والحوارات..
ملفات أخرى كنت مشاركًا فيها دون أن أدري لم أكن أدري أنها ستكون مصدر أكل عيش بل أكل الشهد لمن ركبوا الموجة من بعدي، أبسطها الملف اليمني الدائر هذه الأيام، اكتشفت أنني كنت أعرف الكثير والكثير من آباء القيادات الحالية، وكان أغرب شيء لي والد الداعية الشهير علي الجفر، كنت كلما سمعت اسم الداعية، قلت في نفسي ربما تشابه أسماء، لم أكن أدري أنه ابن السياسي اليمني الجنوبي الكبير عبد الرحمن الجفري.
أما ملف الشيــعة، فما زلت أتذكر قول شيخ كبير في السن والمقام عام 2005م وهو من الصحفيين الكبار أيضا، عندما خصصت مساحة ثابتة في صحيفة الوثيقة للتحذير من خطورة هذا الملف وقتها كان الناس يضعون صورة حسن نصر الله في المساجد، هنا في مصر باعتباره من الصحابة، ساعتها نظر إلي متعجبًا وكان خبيرًا: (انت مابتاخدش فلوس على الحجات التقيلة دي؟).. قلت له: وهي الحجات دي فيه ناس بتاخد عليها فلوس يا أستاذنا؟- لاحظ أستاذنا تعني الاحترام. قال طبعا دا كنز.. بعد سنوات عرفت أنها كذلك عندما وجدت مؤسسات وصحفًا وقنوات تعمل فقط على هذا الملف.
ملفات وملفات وملفات...
بينما أبحث وجدت صورًا لي مع نجوم كبار في عالم الصحافة، كنت مع أحدهم في مجلة متخصصة في المنوعات، قال لي: هو انت غيتك ايه ياض يا محمد في الشغل في المجلات الحريمي؟ فقد تقابلنا كثير للعمل في أكثر من مجلة متخصصة في هذا المجال.
نجم آخر من النجوم الكبار الكبار جدا.. اسمه دائما ترند حاليا، أغلقت صحيفته الكبيرة جدا لأسباب سياسية زمان، وجلس فترة ربما بلا عمل الله أعلم، كنت وقتها صديقًا لأحد المثقفين والنقاد الكبار، فقال لي: أنا عندي رخصة صحيفة حصلت لها على الموافقات اللازمة فما رأيك أن تعمل معي لأستفيد من خبرتك الواسعة؟ وكان رحمه الله يمسك منصبا حساسا في ذلك الوقت.. قلت له وهو كذلك، أخبرني متهللا في اليوم التالي بأن وشي حلو عليه وأن هناك رجل أعمال يرغب في التمويل، حدد الموعد المناسب لك حتى نقابله، قابلنا الرجل واتفقنا وبدأنا نجهز للعدد (الزيرو)، إذ فجأة يظهر الصحفي المعارض الشهير جدا وينزل بالباراشوت ومعه شلته على رجل الأعمال الكبير في أبراج معروف بجوار نقابة الصحفيين ويلهف الرجل بما لديه من أموال فيترك صحيفتنا، ويتفق معه على صحيفة أخرى وللأسف لأمور أمنية وقتها منعت صحيفة الرجل ولم تأخذ الموافقات ففضل استبدالها بمجلة متخصصة في الكمبيوتر، وضاعت السبوبة عليه والتمويل علينا.. علمت فيما بعد أنه فعلها مع نجم كبير آخر من نجوم الصحافة والإعلام أخبرني بنفسه ماذا حدث بينهما.
للحديث بقية عن طبقات فحول الصحفيين.

نقابة الصحفيين فحول الصحفيين الصحافة محمد يسري مكرم محمد أحمد الوثيقة

الرأي الحر

الفيديو